-1 قبل ساعتين من بداية الاستفتاء على دستور مصر الجديد كان "الإخوان" وحلفاؤهم يوجهون إنذارهم الأخير بتفجير عبوة ناسفة أمام إحدى محاكم محافظة الجيزة، بعد الانفجار بقليل كان أهالي المنطقة يتجمعون قرب المحكمة في تظاهرة حاشدة تعلن التصميم على الذهاب للاستفتاء مهما حدث.
مع بدء عملية التصويت ذهبت للإدلاء بصوتي في المقر المحدد، وهو مدرسة قريبة من قصر الاتحادية بمصر الجديدة. كان طابور الحاضرين ممتداً لمسافة بعيدة، لكن النظام كان رائعاً فلم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً.
الإقبال غير المسبوق أفقد "الإخوان" توازنهم، وحاولوا استفزاز الناس في العديد من اللجان، وأطلقوا النار على المواطنين ورجال الشرطة والجيش الذين يؤمنون اللجان، لكن الرد الصاعق عليهم جعلهم يتوارون في جحورهم.
ما كان لافتاً ليس فقط الإقبال غير المسبوق من المواطنين، والظهور البارز للنساء، وإنما الحماس الذي تمت به العملية، والشعور بالبهجة الذي ساد الناس وهم يحتشدون بالساعات أمام اللجان، كان الشعور عارماً بأن الاستفتاء ليس على الدستور وحده بل على الثورة كلها، وأن إقرار الدستور استخراج شهادة الوفاة الرسمية لتنظيم الإخوان الذي أسقطه الشعب في 30 يونيو.
في الساعات الأولى للاستفتاء عرف الإخوان أن نهايتهم هي على أيدي الملايين التي نزلت للاستفتاء.
حين تنزل أم ومعها طفلها الصغير لتقف في الطابور بعد ساعتين أو ثلاث من تفجير قنبلة وبعد أيام وأسابيع من محاولات الترويع، فليس لهذا إلا معنى واحد، وهو أن صراع "الإخوان" مع شعب مصر قد حسم نهائياً، وأن الإرهاب كالعادة لم يكن أكثر من عملية انتحار أخذ أصحابه للمصير الذي يستحقونه.
نتيجة الاستفتاء كانت متوقعة، الصراع كان على نسبة الحضور، وقد حسم شعب مصر الأمر رغم كل محاولات التآمر أو جرائم الإرهاب أو حملات التضليل التي تقودها "الجزيرة" والتي "أثمرت" أن الآلاف من المصريين ذهبوا لسفارة مصر في الدوحة ليقولوا "نعم" للدستور شاكرين الإعلام المضلل وفتاوى القرضاوي وجهل "الإخوان" الذين لم يعرفوا طوال تاريخهم شعور الانتماء للوطن الذي يشعر به كل مصري في داخل مصر وخارجها. وبالأخص خارجها!!
بهذا الخروج العظيم لشعب مصر في يومي الاستفتاء تنطوي صفحة الإخوان، وترسل مصر رسالتها مرة أخرى لواشنطن وأتباعها في المنطقة بأن قرار مصر قد عاد لشعبها.
وتفتح مصر صفحة المستقبل، انطلاقاً من الدستور إلى انتخابات الرئاسة والبرلمان، وإلى استعادة الأوضاع الطبيعية والبدء في عملية الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بعد قطع رأس أفعى الإرهاب الذي يعرف الآن أن مكانه ليس في مصر.
2 - اليوم الثاني للاستفتاء التاريخي في مصر صادف الاحتفال بذكرى ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الاحتفال به هذا العام لم يكن فقط عند الضريح مثل كل عام، بل كان في الشوارع وأمام لجان الاستفتاء حيث كان الناس يحملون صوره مع صور الفريق السيسي.
وحيث أصبحت مصر بعد 30 يونيو وسقوط فاشية الإخوان تعرف جيداً أن جزءاً مهماً من المؤامرة بعد ثورة يناير كان التركيز على محاولة القطيعة بينها وبين ثورة يوليو، لتكون النتيجة صعود الإخوان واستمرار التبعية وتراجع مصر وتعرضها هي والعالم العربي كله لأفدح الأخطار.
أحد أهم تجليات 30 يونيو أنها استعادت ثورية يناير بعد أن سرقها الإخوان، وأنها أعادت مصر لمسارها الطبيعي وهي تقود تيار الاستقلال والتحرر والوحدة العربية، قبل أن يتم الانقلاب على ثورة يوليو وتغييب مصر عن المشهد وتدفع هي والعرب الثمن غالياً.
الآن تدرك مصر أنها تسير على مبادئ الحركة الوطنية وميراثها العظيم وأن ثوراتها تتكامل.
ويدرك أي حاكم قادم أنه لا بديل عن عقد اجتماعي جديد يعتمد أساساً على تأكيد أنه لا تنمية ولا تقدم إلا في ظل الاستقلال الكامل للقرار المصري، ويعتمد أيضاً على أنه إذا كانت التنمية الاقتصادية ضرورة حياة لإنقاذ مصر من أزمتها، فإنه لا معنى لهذه التنمية إلا بإقرار عدالة اجتماعية حقيقية تم إهمالها لسنوات طويلة بعد الانقلاب على ثورة يوليو وسياسات عبد الناصر.
يضع الدستور الجديد الملامح الأساسية لهذا العقد الاجتماعي الجديد.
ولهذا خرجت الملايين لتقول "نعم" حتى من كان يعترض مثلنا على بعض مواد الدستور إلا أن الروح العامة فيه هي الانحياز للحرية وللعدالة الاجتماعية، والأساس الذي يرتكن إليه هو تأكيد الاستقلال الوطني بعد أن أدرك الجميع أنه أساس التقدم والنهوض وعنوان سيادة الشعب الذي أثبت بالفعل ما كان عبد الناصر يقوله مراراً بأنه هو وحده القائد والمعلم.
3 - أياً كان الرئيس القادم لمصر فقد أصبح الطريق واضحاً: لم يعد ممكناً أن تكون مصر إلا دولة مدنية تنحاز للعدل والحرية بقدر انحيازها لعروبتها، وحرصاً على إسلامها المعتدل. لم يعد ممكناً إهمال صوت شعب أسقط نظامين خلال ثلاث سنوات.
ولم يعد ممكناً خداع هذا الشعب لا من تجار الدين ولا من محترفي الانتخابات. لم يعد ممكناً أن يكون الخيار بين الحرية ولقمة العيش فلا غنى عن أحدهما بالآخر. انتهى للأبد زمن أن 99% من أوراق اللعبة في يد دولة أخرى أياً كانت هذه الدولة.
ماذا يعني كل ذلك؟!
يعني - بوضوح كامل - أن المعركة الأصعب (وهي معركة بناء مصر من جديد) قد بدأت. الصعوبات كثيرة، والتحديات هائلة، ولكن ما حدث في الاستفتاء الأخير يؤكد ما كنا نقوله دائماً: مصر قادرة على كتابة التاريخ وصنع المعجزات، حين تتضح الرؤية وتتوحد الصفوف، وتوجد القيادة، ويتحدد الهدف، وتعود لمكانها في قلب أمتها العربية.