لم يعتد الناس في منطقة الشرق الأوسط الذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم لانتخاب رئيس للدولة أو نواب للبرلمان أو أعضاء في مجالس المحافظات، فرئيس الدولة الشمولية الذي ألفنا وجوده لا يغادر موقعه سوى بالموت أو بعملية انقلابية تقوم بها ثلة من ضباط الجيش. إلا أن القرن الحادي والعشرين أتى بالجديد لهذه المنطقة وهو تغيير الأنظمة الشمولية بطرائق جديدة بدأت باحتلال العراق ثم بمقدم الربيع العربي الذي أجهز على ثلاثة من هذه الأنظمة.

إلا أن هذا الجديد قد جلب معه ما هو أكثر من مجرد تغيير في الأنظمة، جلب معه مناخا سمح باندلاع صراعات متباينة، دينية وعرقية وطائفية وقبلية ومناطقية، بعضها لا يزال في طور الخفاء وبعضها الآخر تفجر بصورة دموية، الأكثر خطورة في هذه الصراعات هو الصراع الطائفي. هذا النوع من الصراعات ربما فاجأ البعض ممن لم يتوقعوا تفجره بهذه الشدة إلا أنه لم يفاجئ آخرين أكثر دراية بمدى عمق الشروخ التي تكمن في أجساد الدول والمجتمعات التي اندلعت فيها هذه الصراعات. كان من أبرز تداعيات ذلك خلق المناخ الملائم لانتعاش تنظيم القاعدة من جهة، وميلاد تنظيمات إرهابية على الشاكلة نفسها تقريبا من جهة أخرى.

الناس في كل مكان من العالم ينتمون إلى مكون اثني وآخر ديني وثالث مذهبي ورابع قبلي وخامس مناطقي وسادس أيديولوجي، ولم تخل بقعة من بقاع العالم من صراعات في مرحلة معينة من تأريخها بسبب هذه الانتماءات، وذلك أمر طبيعي إلا أنه لم يعد يتفق مع سمات العصر الحالي وطروحاته وأخلاقياته.

تترك الصراعات على مختلف أنواعها ضحايا، ولكن تلك التي تشعلها الأيديولوجيات الدينية أو الطائفية كانت الأكثر دموية عبر التأريخ لأن المنخرط فيها مدفوع بنزعة تكفيرية خطيرة مفادها أن معه تفويضا إلهيا ومع الطرف الآخر تفويضا شيطانيا. نزعة رسم أمراء الطوائف معالم ثقافتها الدموية لارتهان عقول وإرادات البسطاء من الناس لسوقهم وقودا لهذه الصراعات التي يجنون فوائدها.

الأسباب التي تكمن خلف هذه الصراعات ليست حديثة العهد، بل يرجع تأريخها إلى النصف الأول من القرن الهجري الأول، حيث مرت منذ ذلك الحين بفترات تأجيج وتهدئة، إلا أنها بقيت كامنة. وحين اندلعت مؤخرا لم تعكر صفو الأمن وتحصد أرواح الناس فحسب بل أصبحت تقف كأكبر تهديد للأمن الوطني لدول المنطقة وأكبر الأخطار التي قد تصيب مجتمعاتها. فهي قد تصبح أداة لا مفر من اللجوء إليها لتفكيك الدول كحل وحيد لفض الاشتباكات والحفاظ على حياة الإنسان وكرامته كما حصل في أجواء الصراعات التي ترتب عليها تفكيك الاتحاد اليوغسلافي.

هذه الصراعات طفت إلى السطح مع الاحتلال الأميركي للعراق في أبريل 2003 ومع إطلالة الربيع العربي في ديسمبر 2010، وقد تفاءل الناس بما ستأتي به الأيام، خاصة وأن النماذج المقترح استخدامها هي أدوات ديمقراطية تعمل من حيث المبدأ على إرساء الأسس لبنيان ترضى عنه الناس لأنه يأتي بخيارها واختيارها.

إلا أن التفاؤل بسقوط الأنظمة الشمولية سرعان ما تراجع حين أصبحت الولاءات الموروثة عن الماضي مواقف سياسية مزقت لحمة المجتمعات على أسس طائفية وسمحت لقيادات طارئة بتولي مقاليد الأمور. فقد أصبح حجم الانتماء الإثني والطائفي المدخل الوحيد لإعادة بناء الدولة العراقية وهي صيغة اتفقت عليها القوى التي جاءت مع الاحتلال وباركتها الإدارة الأميركية المؤقتة. هكذا وُضعت نهاية للأسلوب المدني في بناء الدولة الذي وضع في العراق منذ عام 1921 حين تأسست الدولة العراقية إثر سقوط الإمبراطورية العثمانية.

اتخذت الصراعات الطائفية هذه مظاهر شتى، ففي الوقت الذي تتجلى في الاصطفافات التي تمارسها النخب السياسية العراقية في مجلس النواب ومجالس المحافظات، وفي الاستجابة للأحداث، وسط تصفيات جسدية في الظلام، نراها تتخذ طابع عنف دموي يومياً في سوريا، الأكثر انغماسا بالصراعات الطائفية، ونشهدها تُظهر نفسها في تبادل التفجيرات بين الحين والحين في العاصمة اللبنانية.

تباينت التحليلات بشأن الجهات المستفيدة من صراعات كهذه وطُرح العديد من التوقعات حول مساراتها، لعل أبرزها هو إعادة النظر بالواقع الجغرافي للمنطقة أو لجزء منها، وإعادة رسم الخرائط التي وضعت وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو عند نهاية الحرب العالمية الأولى.

ورغم خطورة الصراعات الطائفية وما قد يترتب عليها، إلا أن خرائط الدول لا يعاد النظر فيها بسهولة، لأن تداعيات التغيير سلبية لا حصر لها على واقع المجتمعات الفسيفسائية، التي تداخلت فيها الأعراق والأديان والطوائف كما هو الحال في العراق وسوريا ولبنان. فحين وضعت اتفاقية سايكس ـ بيكو، كانت بريطانيا وفرنسا القوتين العظميين الوحيدتين اللتين أسهمتا في تغيير معالم منطقة الشرق الأوسط لصالحهما..

وحين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها برزت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كقوتين رئيسيتين في العالم تتزعمان معسكرين متعارضين وأصبحت فرنسا وبريطانيا منذ ذلك الحين جزءا من العالم الغربي الذي تتزعمه الولايات المتحدة. إلا أن التوازنات الجديدة لم تدفع الولايات المتحدة التي انتقلت إليها تدريجيا مفاتيح النفوذ في المنطقة للبحث عن جغرافية جديدة تتفق مع مصالحها، فالتقسيم الجغرافي الذي وضعته سايكس ـ بيكو لم يتعارض من حيث المبدأ مع مصالح الدول العظمى، وليس هناك مؤشرات تدل على عكس ذلك.

بقي أن نتحرى عن مصالح القوى الإقليمية غير البعيدة عن هذا الصراعات، صحيح أن إسرائيل في مقدمة المستفيدين منها إلا أنها لا تمتلك من الأدوات ما يمكن توظيفها للتلاعب بمسارات هذه الصراعات. من جانب آخر هناك دول إقليمية تعاظم دورها السياسي في المنطقة بعد خروج العراق من معادلات التوازن الاستراتيجية في الحرب التي تلت غزوه للكويت، هذه الدول تعمل من خلف الستار على إذكاء هذه الصراعات ليس لتلبية طموحات تتعلق بتغيير الخرائط الجغرافية فهي غير قادرة على ذلك في أطر التوازنات الدولية القائمة ولكن للاستفادة في توظيف قدراتها في التأثير على مساراتها في صفقات سياسية تحصل من خلالها على مكاسب سياسية أو تخفف مما يحيق بها من أزمات.