عندما تحدث وزير الخارجية الأميركي جون كيري قبل أسابيع عن مصر، كنا نظن أن ذلك يمثل تغييراً جوهرياً في السياسة الأميركية في المنطقة، لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك، وأن الخطوط الأساسية لمخططات واشنطن في المنطقة مازالت كما هي!
كان جون كيري قد قال إن "الإخوان" قد سرقوا ثورة يناير، واعترف بأن الجيش عندما تحرك كان يعبر عن إرادة شعبية فرضت نفسها في 30 يونيو، وتصورنا أن ذلك يمثل انعطافة حاسمة في الموقف الأميركي، لكن سرعان ما وجدنا الإشارات المتضاربة من أركان الإدارة الأميركية، ثم فوجئنا بعد ذلك بأن واشنطن تكتفي بتقديم العزاء في ضحايا حوادث الإرهاب الذي تصاعد داخل مدن مصر.
ثم ترفض أن تدين "الإخوان" التي تقود هذا الإرهاب، وبدلاً من تأييد موقف الحكومة المصرية الذي اعتبر "الإخوان" جماعة إرهابية (وهي كذلك منذ نشأتها) إذا بالإدارة الأميركية تبدي "القلق" من هذا التطور، وتعود لحديثها الذي لم يعد أحد يأخذه على محمل الجد عن بقاء "الإخوان" داخل العملية السياسية بينما هم أنفسهم يعترفون بأن قرار العمليات الإرهابية في يدهم!
كان طبيعياً أن يفقد "الإخوان" ما تبقى من عقل لديهم، وهم يرون كل مخططات الإرهاب تفشل أمام إرادة شعب مصر وصلابة جيشها وأجهزة الأمن التي تمضي في تصفية بؤر الإرهاب الذي يقوده الإخوان من جذورها.
لكن غير الطبيعي أن تتصرف واشنطن بهذه الحماقة، وبهذا الإصرار على العداء لشعب مصر، وهذا الإصرار على الاصطدام بالمصالح العربية، حتى وهي ترى فشل سياستها في المنطقة، ومضي مصر في طريقها لبناء الدولة الجديدة.
تعرف الإدارة الأميركية تماماً أن شعب مصر بأغلبيته الكاسحة يؤيد الدستور الجديد وسيخرج ليقول "نعم" في الاستفتاء، ومع ذلك تقف واشنطن ضد إرادة المصريين وتواصل دعمها ـ علناً وسراً ـ لإرهاب الإخوان وهم يحاولون عبثاً عرقلة الطريق نحو إنهاء المرحلة الانتقالية واستعادة الاستقرار، وكأنها تعيد تذكير المصريين بسنوات طويلة من العداء لاستقلال مصر ولدورها العربي الذي لا غنى عنه، لا لمصر ولا للأمة العربية كلها.
من هذا المنطلق ينبغي التعامل مع الهجمة الخارجية المفاجئة من بعض دول المنطقة على مصر خلال الأيام الماضية، لنكون أمام مشهد صارخ وكاشف عما كان يدبر لمصر وللعرب، وعن مدى الصدمة التي أحدثها تحرك شعب مصر في 30 يونيو ودعم الأشقاء العرب لهذا التحرك، ثم عن حقيقة لا ينبغي أن تغيب عنا.
وهي أن التآمر مازال مستمراً، وأن القصة لم تنته، وأن صمود مصر وقيام التحالف العربي انطلاقاً من لقاء القاهرة ودول الخليج الحريصة على عروبتها وعلى أمنها القومي؛ هو الطريق لمواجهة كل التحديات.
المشهد الذي نراه الآن يؤكد عدداً من الحقائق التي ينبغي أن نضعها أمامنا ونحن نضع حساباتنا للمرحلة المقبلة:
** الحقيقة الأولى: إن هناك إصراراً على تنفيذ مخطط إعادة رسم خريطة المنطقة في غياب مصر والعرب. لهذا ينزعجون من عودة مصر، ولهذا ينزعجون أكثر من التقاء مصر مع دول الخليج الفاعلة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات لصد الهجمة وإفشال المؤامرة.
** والحقيقة الثانية: إن المخاوف من قيادة السيسي لمصر في هذه المرحلة لا علاقة لها بعسكرية الدولة أو بنفوذ الجيش، فمصر ستظل دولة مدنية كما كانت، وجيش مصر سيظل منفذاً لإرادة الشعب كما أثبت عبر تاريخه الطويل.
المخاوف التي تحرك تحالف التآمر ضد مصر والعرب هي أن السيسي في لحظة الحسم انحاز لإرادة شعبه وقال "لا" للإدارة الأميركية التي كانت تظن أنها ستظل للأبد تتعامل بمنطق أن 99% من أوراق اللعبة في يدها، فإذا بها تكتشف أن الجماهير التي رفعت صور جمال عبد الناصر في ميادين التحرير كانت تقول بأعلى صوت إن أوراق اللعبة عادت لها.
** والحقيقة الثالثة: إن علينا أن ندرك أن الحرب التي نواجهها هي امتداد لحرب نخوضها منذ ستين عاماً أو أكثر، وأن محورها الأساسي هو أننا نريد أن نحقق عروبتنا، بينما أعداء الأمة ليس لهم إلا هدف واحد وهو نفي عروبة العرب، ومحاصرة مستقبلهم، ووضع خريطة المنطقة بحيث تكون القوى الفاعلة التي تقتسم النفوذ وتهيمن على مصير المنطقة هي القوى الإقليمية غير العربية ويكون الراعي الرسمي لهذا المخطط هو أميركا التي كانت ـ
** والحقيقة الرابعة والأساسية: إن ما أنجزناه منذ 30 يونيو التي استعادت مصر فيها ثورتها وهويتها وطريقها وقرارها المستقل.. هو إنجاز لا يمكن التفريط فيه
. وأن ما حققناه في الحرب ضد الإرهاب، وفي إجهاض مخططات تقسيم المنطقة وإبقاء مصر بالذات في دائرة التبعية، هو خطوة على الطريق لاستعادة ما فقدناه في سنوات الغياب العربي، أو الغيبوبة العربية، لكي نعود فاعلاً أساسياً في تقرير مصير المنطقة، وفاعلاً منفرداً في تقرير مصير العرب.
هل تدرك أميركا أن رهانها على "الإخوان" وملحقاتها قد فشل؟! وهل تفهم أن مشكلتها ليست مع الفريق السيسي..
بل مع مصر التي تتمسك بقرارها المستقل وإرادتها الحرة، ومع عالم عربي يرفض أن يتقرر مصيره في صفقات مشبوهة أو اتفاقات على تقسيم المنطقة في غياب العرب، وعلى حسابهم! هل تدرك أميركا ذلك، أم تمضي في مخططاتها التي انتهت بها إلى أن تكون مع "القاعدة" و"الإخوان" وإيران" إيد واحدة؟!
على أميركا أن تقرر، أما مصر فقد اتخذت قرارها في 30 يونيو حين أسقطت فاشية "الإخوان" ومخطط أميركا في وقت واحد، وحين قالت لواشنطن ولحلفائها وأذنابها.. إن مصر (ومعها العرب من غير العملاء) لن ينسوا، ولن يغفروا!