لا نأتي بجديد حين نقول إن العراق ما زال ينحدر نحو الهاوية، والأزمة الأخيرة التي تأتت بسبب اعتقال أحد أعضاء مجلس النواب عن محافظة الأنبار ومقتل شقيقه، ومن ثم فض الاعتصامات في مدينة الرمادي بالقوة بعد أن استمرت مدة تقرب من سنة، دون أن تنظر الحكومة في مطالب المعتصمين بشكل جدي، ليست إلا واحدة من أزمات كثيرات تحدث بين الحين والآخر، بعضها بشكل عفوي وبعضها الآخر ليس كذلك.
فالعراق يعيش في أزمة حادة مستمرة منذ عشر سنوات، حيث اتخذت الصراعات السياسية في ساحاته شكلاً طائفياً، كما هو الحال في معظم الصراعات التي تدور في منطقة الشرق الأوسط. هذه العمليات ليست الأولى من نوعها، فقد سبق أن نفذت قوات الجيش عمليات مشابهة في الفلوجة وفي الحويجة.
لا نريد الدخول في تفاصيل الخسائر التي ترتبت على هذه العملية، فقد تضاربت الأنباء حولها بعد أن منعت السلطات، ليس الإعلاميين وحدهم من الدخول إلى مدينة الرمادي، وإنما أعاقت كذلك وصول لجنة برلمانية للتقصي عن الحقائق. إن وقوع خسائر بشرية ومادية مهما بلغ حجمها، في صفوف القوات المسلحة وصفوف المدنيين المعتصمين، أمر يدعو للحزن والأسى، وهي تأتي كآخر حلقة في مسلسل حصد أرواح العراقيين، الذي وصل حسب أرقام وزارات الصحة والدفاع والداخلية، إلى 7154 شخصاً في أعمال العنف المتفرقة على مدار عام 2013، العام الأكثر عنفاً منذ 2008.
أزمات على مختلف الصعد تعصف بالعراق، لكن أكثرها خطورة هي الأزمة السياسية. الخلل الأساسي الذي يكرس بقاء هذه الأزمة، يكمن بالدرجة الرئيسية في الإبقاء على عقلية التسلط والهيمنة لدى الحاكم في اتخاذ القرارات السياسية الخطيرة، والإصرار على تجاهل وجود دستور يحدد المهام والصلاحيات. يقابل ذلك بنفس القدر من الخطورة، خلل آخر وهو بقاء عقلية التحفظ والتردد والخوف لدى الآخرين، والعزوف عن التصدي بجدية لنهج الحاكم وإيقافه عند حده.
تتخذ القرارات الخطيرة عادة بعد دراسة موضوعية، أكثرها أهمية هو ما يترتب من تداعيات على تنفيذها، خاصة إذا تجاوزت في أبعادها الجانب الأمني إلى قضايا أخرى تعمق الشرخ في وحدة المجتمع..
وتضعف ثقة شرائح منه في السلطة القائمة. قرار رئيس الوزراء العراقي بزج الجيش في عملية تنفيذ اعتقالات وفض اعتصامات في محافظة الأنبار، لم يكن في صالح أحد غير التنظيمات التي تعيث فساداً في البلد وأمنه وأمن مواطنيه. فقد سيطرت هذه التنظيمات على مواقع عديدة في عدة مدن من محافظة الأنبار، وأحرقت العديد من مؤسسات الدولة.
ثمة بعض الأمور يستوقفنا في هذا الحدث، فقرار فض الاعتصام حسب ما أعلن، يستهدف تنظيم القاعدة، وهذا في حد ذاته يتطلب تسليط بعض الضوء عليه. فالناحية الأمنية في البلد لا تفرض بسياسة البطش التي أعاد الاعتبار لها من يمسك بتلابيب الوضع في العراق، والتي ذاق الويل والثبور من جرائها إبان حقبة النظام السابق.
إن القضاء على مجموعة إرهابية، يتطلب قبل كل شيء انتهاج سياسات تجرد هذه المنظمة من أية قضية، وتعزلها فكرياً وسياسياً وجماهيرياً عن جميع شرائح المجتمع، والعمل على إزالة التداخلات في خنادقها مع خنادق المعارضين للوضع القائم أو المحتجين على بعض سياساته، عن طريق إعادة ثقة المواطن في الدولة وأجهزتها، والقضاء على التراخي والخدر الذي أصاب حسه الأمني..
وبالتالي تجريد هؤلاء الإرهابيين من الملاجئ الآمنة التي توافرت لهم، وهي عملية في صلب مهام الدول الديمقراطية. فحصانة الدولة والحفاظ على أمنها، لا يقاس بمدى قوة أجهزتها الأمنية أو تخوف الناس من بطشها ووحشيتها، بل بمدى احترام الناس لها وقناعتهم بأنها تعمل من أجلهم وفق دستور سبق أن أقره الناس أنفسهم.
إن زج الجيش في مهام أمنية داخلية تتعلق بتنفيذ عمليات اعتقال أو فض اعتصام، لا يتفق مع مهامه الرئيسية، ولا نريد القول بأنه مخالفة للدستور الذي يقصر مهام القوات المسلحة على ما يخص الدفاع عن أمن البلد من تعرض خارجي، فالدستور قد رُكن منذ زمن وحلت بديلاً عنه التوافقات على المصالح والمغانم بين المستفيدين من العملية السياسية.
من أبرز التداعيات التي ترتبت على ما جرى، تلك الاستقالة الجماعية التي قدمها نواب كتلة متحدون إلى رئيس المجلس تاركين له سلطة تفعيلها، وهو إجراء عقيم إن لم نقل مثير للسخرية، فقد سبق أن علق بعض هؤلاء عضويته في المجلس وقاطع آخرون منهم حضور اجتماعات مجلس الوزراء، ثم عادوا إلى مواقعهم دون أن يحققوا مطلباً واحداً من مطالبهم. لكن هذه الاستقالات من ناحية ثانية، عززت الاصطفاف الطائفي، وهو ما يسعى إليه من له رغبة في توظيفه في الانتخابات النيابية القريبة، كما حصل في مناسبتين سابقتين.
ففي الوقت الذي حقق فيه رئيس الوزراء بعض النجاح، في الخروج من محيطه الانتمائي الضيق إلى رحاب الوطن الأوسع، بعد صولة الفرسان في مارس 2008، نراه غير قادر الآن إلا على الاتكاء على محيطه الضيق في الانتخابات المقبلة، محاولاً توظيف ما قد يحصده في صولة الأنبار لشخصه، على الرغم من حرصه على تعليق التداعيات السلبية لذلك في رقبة التحالف الذي ينتمي إليه.
فقد حرص التحالف، وربما اضطر لذلك، على أن يُظهر وحدته شكلياً بتأييد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، في بيان صحفي صدر عقب اجتماع ممثلي الكتل المنضوية تحت لوائه في الثاني من يناير الجاري، إلا أن هذا الموقف الاستعراضي لم يخفِ الموقف الحقيقي لكتل ضمن التحالف لا يمكن التقليل من أهميتها...
فقد حذر زعيم التيار الصدري في وقت سابق من مغبة مداهمة ساحات الاعتصام في الأنبار، ولم تخفِ كتلة المواطن تحفظها على ما جرى، حيث ورد على لسان رئيسها "إشكالنا ليس على التحالف الوطني كسقف للقرار ومرجعية للتشاور، إنما في استخدام التحالف غطاء لتمرير القرارات الفردية غير المدروسة".
كلمة أخيرة نقولها لمن يهيئ المسرح الانتخابي طائفياً: ليس هناك ما يثير التفاخر بالاصطفاف الطائفي، فتآكل الوطن يُسقط كل الطوائف.