تردي الحال العربي وفقدان المرجعيات الصحيحة، هو دلالة فشل للمثقف العربي. ويكشف التراجع السياسي والاجتماعي في العالم العربي، سقوط وفشل أداور مهمة، أولها السقوط المخجل للمثقف العربي.

المثقف هو الذي يتحمل مسؤولية توجيه الرأي العام وتنوير المجتمع بحقوقه وواجباته، من منطلق أن النخب في المجتمعات هي التي تلعب الدور الأساسي في صنع التغيير. والأزمة حينما يتحول المثقف إلى أداة ضمن منظومة تتوجه حسب القوة السائدة، سواء كانت هذه القوة السائدة توجه الدولة أو رأيا عاما جماهيريا يحظى بشعبية كبيرة، فتجد المثقف يتحول إلى مروج لهذه الفكرة أو تلك، طالما أنها تحقق الرضى الذي يسعى إليه.

ونلاحظ أن الكتاب يتنافسون في التطبيل والترويج لقرار يتم اتخاذه، وبعد فترة يتم التراجع عن القرار فنجد أن الجوقة تتجه في تأييد هذا القرار الجديد.

إن وجود هذا النوع من الكتاب هو خطر على الدولة لأن هذا المجموع يصور لصانع القرار صوابية قراراته، وبعضهم يزايد على الآخر في سباق محموم لكسب الرضى والانتفاع المعنوي أو المادي.

أزمة الثقافة العربية هي مثقفوها.. وكيف يمكن أن نتوقع من أمة أن تصنع تغييرا حقيقيا في مجتمعها، إذا كان مثقفوها يفكرون ضمن أجندتهم الخاصة وما يتحقق لهم من مصالح؟! ينظر للمثقف عادة على أنه ضمير الأمة الذي يحمل رسالة، لكن حينما يكون المثقف ممتلئا بالنرجسية والانتهازية، يفقد معنى كلمة مثقف وتصبح الثقافة رداء ووسيلة.

وعند التوجه الجماعي نحو موقف واحد أو قضية وطنية، تبدأ المقالات الصحفية والمداخلات التلفزيونية تتوجه نحو رأي واحد، قد تختلف الصيغ ولكن الهدف واحد. ويكون الصوت المختلف مغامرا، ويتعرض لانتقادات كبيرة لأنه يخالف التوجه العام خاصة في مجتمعات اعتادت منذ تعليمها في الصفوف الأولى، على الحفظ والامتثال لرأي المعلم، دون محاولة للتفكير والاختلاف، مما أوجد في العقل الجمعي الميول للامتثال للرأي الواحد، والاستعداد للانقياد لمن يكون صاحب الصوت الأعلى.

وربما أن الصوت المختلف يحمل رأيا صائبا، ولكن التوجس من الرأي الآخر يجعله محل شكوك وحملات منظمة وكأنها مكارثية جديدة تخصصت في الطعن في وطنية أو في عقيدة من يختلف معها. والمكارثية منسوبة لسيناتور أمريكي يدعى جوزيف مكارثي، تخصص في اتهامات الخيانة والعمالة لمن يعارض الحكومة أو يعترض على المكارثية ذاتها، لكن الشعب الأمريكي انقلب على المكارثية نفسها، وأصدر الكونغرس في عام 1954 قرارا بتوجيه اللوم لجوزيف مكارثي نفسه، وأصبح هذا المصطلح يستخدم للتعبير عن الإرهاب الثقافي الموجه ضد المثقفين.

وتبدو المشكلة في عمقها عندما نرى مثقفين أو ممن يدعون الثقافة، يتحولون هم إلى سلطة تهاجم الرأي الآخر وتحارب تعددية الآراء، وتصبح الأجندة الشخصية هي التي تحدد مسار هذا المثقف. وأذكر أحد الكتاب كان يقول؛ نحن نجتهد في تحسس التوجه الذي تسعى إليه الدولة، ونكيف مقالاتنا وطروحاتنا وفق هذا التوجه!

ولذلك من يحاول تقديم تحليل موضوعي، أو هو يعتقد انه موضوعي، سيجد حملة معاكسة، خاصة إذا كانت هناك هستيريا أيديولوجية رائجة في ذلك الوقت أو تصوير الموضوع ككرامة وطنية، وغيرها من العبارات التي تستفز رجل الشارع فيتفاعل معها بحكم العاطفة.

والسلطة ليست بالضرورة الدولة بل الرأي العام، فكثير ممن يتحدثون للجماهير تجدهم يسعون لكسبها وهي ذات جاذبية عالية، بينما الجماهير كما وصفها غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، تتمير بخاصية سرعة الانفعال، ثم التراجع، ثم الملل. وهي تبحث عمن يلهب حماسها أكثر ممن يحرك أفكارها. وخطورة انجذاب المثقف لغواية الجماهير، أن القيم المنهجية في تفكيره سوف تتراجع لحساب اللحظة الآنية.

والجمهور العربي عاطفي وانفعالي، فمثلا حينما كان الإعلامي المصري باسم يوسف يهاجم الإخوان حقق جماهيرية عالية، وحينما بدأ انتقاد الحكومة والسخرية منها انقلب عليه معظم جمهوره ووصف بالخيانة.

وبغض النظر عن صحة التوجه، فإن ما نستشهد به هو كيف أن الجماهير متغيره ومتقلبة، والمثقف أو الكاتب الذي يراهن فقط على جماهيرية الآراء السائدة يخسر نفسه أولا، وربما يخسر الجمهور لاحقا.

الشعوب المتقدمة وصلت إلى هذه المرحلة نتيجة وجود مفكرين وتنويريين، ناضلوا في مرحلة من المراحل من أجل مبادئ يؤمنون بها وليس من أجل أجندات خاصة بهم، والعالم العربي اليوم يدفع ثمن أخطاء فشل النخب وغياب القدوة.