كان للعولمة، التي ترسم خريطة العالم في شتى المجالات، تجلياتها، كما أنها ألقت بظلالها على النظام العالمي في الفكر والثقافة والاقتصاد والسياسة والفن والتكنولوجيا، وما يشغل الناس من قضايا تتخطى حدودهم المحلية أو الإقليمية.

وما تبع ذلك من انفجار معلوماتي يعجز المرء عن متابعته، وتغيرت موازين القوى وأدوات التأثير، فلم تعد القوة العسكرية هي الأداة الوحيدة التي تقاس قوة الدولة على أساسها، كما لم تعد ميادين القتال هي ساحة التنافس والغلبة.

ولم يعد للتعداد البشري التأثير نفسه الذي أصبح يقاس بالخصائص النوعية له، لأن قوة الفكر أصبحت تسبق فكرة القوة، كما أن الأرض لم تعد هي دائرة السباق الوحيدة، ولكن أصبح الفضاء الرحب ميداناً آخر، من يتحكم فيه تكون له الغلبة على الأرض.

ومن يكتفي بالنظر تحت قدميه دون أن يرنو ببصره إلى أعلى، فعليه أن يرضى بأن يكون في موقع المفعول به دائماً، وأن تكون حركته ردات للفعل ما دام عجز عن الأخذ بزمام المبادرة، معتقداً أنه بعيد عن ما سيحدث من تداعيات أو أنه غير مقصود بها، وبالتالي فهو غير معني بها كذلك.

ولأن الإمارات تدرك طبيعة العصر الذي تعيشه، وتعرف لغته وحجم التحديات التي تواجهها، كانت قيادتها، وهي تقف على أرض تزداد صلابتها بتوحد أبنائها يوماً بعد يوم، تستشرف المستقبل، وتتسع دائرة الرؤية للفضاء، الذي أصبح أهم أدوات القوة الناعمة للدولة، فضلاً عن كونه أحد أهم أبواب الحفاظ على مسيرة البناء للدولة واستدامتها.

لذا كان إطلاق "دبي سات-1" عام 2009، بإشراف مجموعة من أبناء الإمارات المهندسين، الذين شاركوا في بناء وإعداد 30% من هذا المشروع الرائد، ثم "دبي سات-2" والذي تم إطلاقه عام 2013، وهو الجيل الأكثر تطوراً والذي اتسعت فيه المشاركة الوطنية.

إن هذه الإنجازات الكبيرة والنوعية تكشف بجلاء عن مجموعة من المرتكزات في إسهام ومنافسة الإمارات في ولوج الفضاء، منها أن سياسة الاستثمار في العنصر البشري عبر سنوات مرت قد آتت أكلها، وآية ذلك أنه منذ إطلاق القمر الصناعي الأول كانت لأبناء الإمارات شراكتهم الفنية الفاعلة، سواء في التصنيع أو من خلال التشغيل عبر "مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة إياست".

إلى أن أصبح زمام الأمر في أيديهم عبر القمر الثالث "خليفة سات"، الذي أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إشارة البدء لتصنيعه منذ أيام، والمتوقع إطلاقه عام 2017 بأيدٍ إماراتية خالصة من مهندسين ومهندسات، ليصبح أول قمر يتم بناؤه بأيدٍ عربية 100%.

إن مشاركة أبناء الإمارات في النسخة الأولى والثانية، وتحملهم المسؤولية كاملة في القمر الثالث، تعطينا ثقة كبيرة في قدرات أبنائنا من مهندسين وعلماء، وأن الكفاءات الوطنية قادرة على تحمل المسؤولية، كما تكشف بجلاء عن ثقة القيادة في أبناء الوطن، وتهيئة البيئة المواتية لتفجير طاقاتهم المبدعة، مستندة على تراث علمي زاخر.

أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حين قال: "إن العلماء العرب والمسلمين قدموا للعالم العديد من الإنجازات العلمية والإنسانية في السابق، وما زلنا نؤمن بأن الروح الإبداعية لهؤلاء العلماء السلف تجري في عروق أبنائهم، وأن جميع الشباب العرب فيهم المبدعون والمتفوقون والمبادرون، ونحن نعمل على إعداد وتهيئة البيئة المناسبة لهم كي يحققوا أهداف الأمة".

إن هذا المشروع التقني لا يتوقف مداه عند إطلاق القمر "خليفة سات"، بعون الله، عام 2017، ولكن تسبقه مرحلة بناء بنية تحتية تكنولوجية حديثة على أرض الإمارات يتم إنجازها 2015، لننتقل من مرحلة استيراد واستهلاك التكنولوجيا، إلى مرحلة إنتاجها بسواعد وخبرات وطنية وتوطينها، ولتمثل قاعدة انطلاق في مجال صناعة الفضاء والمنافسة فيها.

ولتكون الإمارات رأس الحربة التي تفتح الطريق لعالمها العربي في الولوج إلى مجال الفضاء، وأن تحتل المكان اللائق بتاريخها وحضارتها في السماء، لكي تحافظ على هويتها وتاريخها ومسيرتها التنموية على الأرض، وأن أبواب الإمارات ستظل مفتوحة للتعاون مع الأشقاء العرب، في أروع أشكال التكامل العربي وأكثرها احتياجاً.

إن دخول وطننا مجال الفضاء على أكتاف أبنائه، يتطلب أن تقوم مؤسساتنا ومعاهدنا ومراكز البحوث الوطنية بتحمل مسؤوليتها الوطنية، في أن تلبي برامجها الأكاديمية متطلبات المرحلة، لتخرج لنا كوادر مؤهلة تساهم في مسيرة التنمية، وأن يعي أبناؤنا حاجة البلاد إلى مزيد من التخصصات العلمية الدقيقة، التي يتجنبها الكثير منهم متجهين إلى الدراسات الإنسانية، وهى مهمة كذلك، إلا أن المؤشرات في هذا الخصوص تحتاج إلى بحث متعمق، كما أن سياسة الابتعاث إلى الخارج ينبغي أن تتماهى كذلك مع متطلبات المرحلة.

كما يجب على وسائل الإعلام إشاعة الثقافة العلمية وتبسيطها، وإلقاء الضوء حول أهمية الأقمار الصناعية التي أطلقتها الإمارات، وكيف أن بياناتها تساهم في العديد من التطبيقات المدنية مثل: تخطيط المدن، والتطوير العمراني، والبحوث العلمية، والاتصالات الهاتفية، والنقل، والمواصلات، والهندسة المدنية، والإنشاءات، ورسم الخرائط، والبحوث الجيولوجية، إلى جانب تأثير انعكاسات الأشعة الشمسية على الأرض والمسطحات المائية، بالإضافة إلى المراقبة والتنبؤ بالضباب، وكيفية استخدام صور الأقمار الصناعية للتنبؤ بالعواصف الرملية.

إن عبقرية التجربة الإماراتية في التنمية، والتي أصبحت محط أنظار ودراسة العديد من البلدان الساعية إلى النهوض، والنموذج النهضوي الإماراتي بات ملهماً لتلك البلدان التي قطعت مسافات كبيرة على طريق التحديث لها، لأنها تسير في خطوط متناغمة بتراتبية واعية.

إن المعضلة الكبرى التي واجهت شعوبنا العربية، هي أن القيادات الجديدة، عند توليها السلطة، تهيل الرماد على إنجازات من سبقها، وتعلن بدء مرحلة جديدة بتوجهات تراها صواباً..

وهكذا دواليك، حتى تكتشف الشعوب أنها ما زالت تحجل في المكان نفسه ولم تفارقه بعد، غير أن من أركان نهضتنا أن ربان سفينة الوطن وقادته يضربون المثل كل يوم في الوفاء للمؤسسين، وهو ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين قال: "هذا غرس زايد وراشد، واليوم نجني ثمر عملهما وبنائهما للإنسان"، ليعطينا درساً كيف يكون البناء.

فطوبى لمن أسس وبنى، وطوبى لمن حافظ ونمى، وطوبى لمن أحب هذا الوطن.