السؤال القديم المتجدد؛ هل القيادة خصائص كامنة لدى الفرد يولد بها ولا يمكن اكتسابها عبر التدريب والاطلاع؟ في تقديري أن القيادة حالة استثنائية لا ينجح فيها أو يقبل عليها إلا أعداد محدودة من البشر على مدار التاريخ، وأن هؤلاء النفر المصطفون من بين الناس، يتمتعون بطاقات نفسية توسع من دائرة رؤيتهم واهتمامهم خارج إطار ذواتهم لتشمل من حولهم، كما أنك تجد غيرهم يلجؤون إليهم عند الملمات والشدائد، وتجدهم في أول الصفوف عند الخطوب والتحديات، هؤلاء قدرهم أن يكونوا قادة.

غير أن مهارات القيادة يمكن كذلك تعلمها، وتوطين النفس عليها، واكتسابها من خلال التنشئة والقدوة والتدريب، شريطة توافر الحد المقبول من الاستعداد الفطري. لذا فإن إعداد القيادات وتأهيلها لتحمل المسؤولية أمر ممكن، بل إن القيادة الحقة هي التي تسعى دائماً إلى تربية أجيال من القيادات لتشارك في تحمل المسؤوليات الوطنية.

وإذا كان "فينيس لومباردي" يقول إن القادة يصنعون من خلال الجهد الشاق؛ "بما يعني أن كل فرد يمكن أن يصبح قائداً في مكانه عبر تعلم مهارات القيادة"، غير أنه عندي أن هنالك من يصلون إلى مرحلة الإبداع في القيادة، وهؤلاء هم من يولدون ليكونوا قادة. فقد يملك الفرد الكثير من المعرفة، ولكن لا يكون لديه رصيد من قوة وإرادة الفعل.

لذلك كان إصدار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة قانون إنشاء "أكاديمية ربدان"، والتي تهدف إلى أن تكون رافداً أساسياً لقيادات المستقبل، ومركزاً وطنياً متميزاً لتأهيل وتطوير الكوادر في مجالات السلامة والأمن والدفاع، والتأهب لحالات الطوارئ وإدارة الأزمات، وذلك على أسس من المنهجية العلمية، لتحقيق استجابة موحدة ومتكاملة وفعّالة، للتعامل بكفاءة عالية مع جميع أنواع التهديدات والمخاطر والحوادث والأزمات المتوقعة، وغرس مبادئ التعليم المستدام، لتعزيز كفاءة الجهات المعنية.

إننا نعيش في عالم لا يسع المترددين أو الوجلين، أو الذين يضعون الستائر الثقيلة على نوافذ غرفهم، ويقولون إن الشمس لم تشرق بعد، "لأنهم لم يروها" على حد وصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لهؤلاء الناس، الذين يتمترسون في أماكنهم خوفاً من التقدم خطوة إلى الأمام قد تتطلب منهم اتخاذ قرارات، في حين أنهم يفضلون أن يبقوا في المناطق التي يعتقدون أنها آمنة، ويكتفون بالسباحة في المياه الدافئة، معتقدين أن ذلك أفضل، لأن اتخاذ القرارات له نتائج لا يتحملها إلا الواثقون من قدراتهم..

والحق أن هؤلاء لا يعول عليهم أن يُحدثوا تقدماً فيما أوكل إليهم من مسؤولية صغرت أم كبرت، وهم أكثر الناس مقاومة لكل فكر جديد، ويجدون سعادة غامرة في السير على ما اعتادوا عليه، مَثلهم الذي يرددونه دائماً "الباب الذي يأتي إليك منه الريح أغلقة واستريح"، ناسين أن الرياح لن تتركهم، بل ستقتحم عليهم بابهم الموصد وتخلعه وتبعثر ما لديهم.

كما أن العبرة ليست في اتخاذ القرار، ولكن قوته تأتي من القدرة على إنفاذه ومتابعته وتقييم نتائجه، خاصة وأن القرارات المصيرية دائماً تؤخذ في الأوقات العصبية.

وهناك جانب مهم من الصفات التي يجب أن يتحلى بها القائد، هو أن يحدد هدفه.. فمن غير الممكن أن يعيش الواحد منا بلا هدف، وأن يظل هائماً على وجهه يسرة تار ويمنة أخرى.

ماذا لو رأيت شخصاً يقود سيارته من طلوع الشمس حتى غروبها يتجول في الشوارع وبين الطرقات دون أن يحدد جهة الوصول حتى ينفد منه الوقود أو يَجِن عليه الليل؟ حال هذا كحال من عاش حياته دون أن يضع لنفسه هدفاً ويسعى للوصول إليه، فلم يجعل لحياته قيمة أو لوجوده معنى.

فمن أصبح يومه مثل أمسه فهو مغبون، ومن وضع هدفاً وأصر على بلوغه فهو كائن لا شك، لأن مدمن الطرق للأبواب لا بد أن يلج، ومن ولم يبلغ هدفه يكفيه أنه حاول ووضع لمن بعده سنة حسنة يسير عليها، وقد يكمل ما عجز هو عن إتمامه.

إننا في عصر ليس فيه مكان لمن لا يعرفون أين يذهبون، وسيبقون كمن يقف في محطة للقطار ينظر إلى البشر من حوله في حركة دائبة، ويكتفى هو بالمشاهدة فقط.

القيادة الحقيقية هي التي تبحث عن الحكمة أياً كان مصدرها، وتجيد الاستماع إلى من حولها، وتستلهم منهم أفكارها، وتشرك من معها في تحديد الأهداف وصناعة القرار، وتترك لهم مساحة للتعبير عن آرائهم، وتضع لهم الرؤية الاستراتيجية، ثم تترك لهم حرية التحرك في إطارها، مع تأكيد الثقة بهم وبقدراتهم على النجاح.

فالقائد لا يتعامل مع من حوله على أنهم آلات تستجيب لما تتلقاه من تعليمات بشكل آلي، ولكن أنهم بشر لهم احتياجات، لذا فإن الجانب الإنساني من أهم عوامل نجاح القيادة في إدارة فريق العمل.

القيادة الحقيقية هي التي تجيد العمل تحت الضغوط، بل تعتبرها جزءاً من مسيرة التحدي، لأن مسيرة البناء ليست مفروشة بالورود، ولكن يتخللها كثير من الأشواك، ولذا فإن القائد لا يفزع حين يفزع الناس، بل يأخذ من الصعاب وقوداً لشحذ الهمم وتفجير الطاقات واستدعاء الكامن منها.

كما أن القيادة هي القدرة على الحلم والتحليق بفكرها إلى آفاق قد يعتقد من حولها أنها أقرب إلى الخيال، وهل تحقق نجاحاً في مسيرة ما دون أن يبدأ بحلم في مخيلة أصحابه حوله الإصرار إلى واقع، فأحلام الأمس هي حقائق اليوم.

إن القائد الحقيقي هو من يبشر بطلوع الفجر عندما يطول الليل، هو من يزرع الأمل عندما يدب اليأس في النفوس، وعندما يتحدث الآخرون عن المشكلات يتحدث هو عن الحلول، وعندما يتحدثون عن السلبيات يتحدث هو عن الإيجابيات..

يرى من بين المحن منحاً، لا ينظر أسفل قدميه، ولكنه يستشرف المستقبل ويبصر طاقة الضوء في آخر النفق المظلم.. عندما يتحدث غيره عن العقاب لمن لا يتبع التعليمات، يتحدث هو عن بث روح الحماسة والتحفيز فيمن حوله، ولذلك قال نابليون "إن القيادة هي تجارة الأمل".