عندما وضعت غزوة حنين أوزارها، تسرّب الحزن لنفوس الأنصار عندما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يجزل العطاء لقريش وأحلافهم ويتركهم وهم من نصره، فخشوا أن يكون قد تعاطف مع أهله وعشيرته وجافاهم، فلما رأى ذلك منهم جمعهم وقال "صدقتموني وقد كذبني الناس، وآويتموني وقد طردني الناس، ونصرتموني وقد خذلني الناس" وذكّرهم بأنّه الله هداهم بعد ضلالة به، ثم قال:

"يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله إلى رحالكم، فوالله لما تذهبون به إلى رحالكم خير مما يعود به الناس، يا معشر الأنصار أنتم الشعار والناس الدثار، والله لو سلك الناس شعباً ووادياً لسلكت شعب الأنصار".

هكذا يكون القادة الأفذاذ، وهكذا يبث القائد الحماس في نفوس مَن حوله، عندما يعرف قَدرهم ويحفظ لهم حقّهم ولا يتجاهلهم ويبحث عن خاصّته فقط، وهي نقطةٌ رغم وضوحها إلا أن من يُطبّقها قِلّة وأولهم أولئك الذين يُدندنون بها في كل مجلس..

فلم يَعُد بمستغرب أن ترى مسؤولاً يَقْدُم للتو لتولي دفّة مؤسسةٍ ما، فيكون أول ما يفعله أنْ يأتي بجماعته وأعوانه معه، وكأنّ من كان بها ليس جديراً بالثقة أو غير مؤهل بما فيه الكفاية، وحتى لو افترضنا أنّ الوضع كذلك فإنّ من العدالة أن يُعطى المرء فرصة، على الأقل فرصة تقييم لإثبات جدارته وأهليته للرهان عليه، بدلاً من الإتيان بفريق كامل من الخارج ميزته الرئيسية وربما الوحيدة أنّه من "حبايب" سعادة المسؤول الموقر.

تمرّ ببالي كثيراً الآية القرآنية الكريمة التي تعتبر معياراً ربانياً للتعامل مع المخالف أيّاً كان عندما قال سبحانه: "ولا يجرمنكم شنآنُ قومٍ على ألّا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، فالهوى الشخصي واستلطاف شخص أو التعوّد على معيته لصداقة طفولة أو نسب أو تطابق أفكار لا يجيز إلغاء الآخر مهما كان بعيداً أو مختلفاً، فمدار الأمر على العدالة في التعاطي...

والصواب لم ولن يكون حِكراً على من نحب، كما أنّ الخطأً ليس حصرياً لمن نخالف، وإحضار المسؤول الجديد لفريقٍ من الخارج لا يعدو أن يكون إعلاناً استهلالياً صريحاً بأنّه لا يثق بالموجودين ولا يعترف بقدرتهم على خلق واقع مختلف يناسب الطموحات، فكيف سيستطيعون العمل بـ"نفس" بعد هذا!

في الغالب وحتى نكون صرحاء أكثر فإن حُجّة الولاءات هي أكثر ما يشغل بال كل مسؤول جديد، وهي ولاءات شخصية لا ولاءات مؤسسة، وتعتبر محرك تغيير تركيبة الإدارات العليا كلما تسلّم كرسيه، وقال "يا فتّاح يا كريم" ونظر مِن حوله ليرى وجوهاً يألفها منذ مدةٍ طويلة تُشعِره بالارتياح، ...

لكن يغيب عن ذهن هذا الشخص أنّ الولاءات لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون بديلاً للكفاءات والقدرات العالية وتراكم الخبرات العملية والتي تتواجد غالباً في موظفي المؤسسة لا القادمين إليها من الخارج، علماً بأنّه وفوق تلك الكفاءات والخبرات فهم يحملون ولاءً مؤسسياً هو المطلوب بذاته، فمن ألِفَ العمل بمكانٍ ما يصبح ذلك المكان جزءاً من حياته والموجودون به مكونات مهمة في النسيج المجتمعي الذي يعيش معه ويتفاعل من خلاله.

إن مَقْدَم أي قائد جديد يعتبر مرحلة تغيير فعلية ولا يمكن بحالٍ من الأحوال أن ينجح باستخدام سلطاته فقط، بل إنّ الحصول على القبول من الموظفين The Buy In هو مفتاح نجاح البداية وليس نجاح كامل المسار فتلك مرحلة مختلفة لها شروطها الخاصة بها، ومجرد إشعارهم بأنّ القائد سيأتي مع طاقمه الخاص هو سَدٌّ لباب القبول ذاك...

ومهما هزّوا الرؤوس في الاجتماعات فإن القلوب والأعمال اللاحقة ستقول الشيء المضاد تماماً لأنهم حُرموا دون سبب من حقهم في الحصول على فرصة، ففي كثير من المؤسسات المتعثرة تكون المشكلة في سوء استخدام الكفاءات الموجودة ووضعها في غير مكانها المناسب، أو قد تكون حيث يجب أن تكون ولكن تكون ثقافة المؤسسة هشّة وبيئتها الداخلية محبطة وإجراءاتها وأنظمتها قد عفا عليها الزمن وأصبحت ثقلاً يُكبّل كل محاولة للتجديد والتحسين!

إنّ القضية المهمة والتي يجب أن يستوعبها المسؤول الجديد ليست في درجة تحكمه بما حوله ومَن حوله، رغم أنّه يقود الجميع وليس فريقه القادم معه فقط، بقدر ما هي متعلقة بالنتائج التي يفترض الخروج بها والتي لا يمكن أن تكون بالنوعية والكمية المطلوبة ما لم يكن هناك إيثاراً لصالح المؤسسة فوق هوى النفس و"ميانة فلان وفلان" وتواصلاً فعّالاً مع كل الموجودين لتحقيق تلك النتائج من خلالهم..

وإنّ البحث عن نسخة كربونية من الذات أو النوعية التي تُشعرنا بالراحة فقط تغتال فرص نجاح كبيرة، وذلك لوأدها الاستعانة بكفاءات تختلف عنّا وتتباين ميولها ونظرتها للأمور وهو الأمر الضروري تواجده في المؤسسات الناجحة لضمان رؤية الصورة الكبيرة من أكثر من زاوية.

عندما تكون في معركة وتجد أمامك سيفاً وقاذفة صواريخ، فليس من المنطق في شيء أن تكتفي بالسيف لأنك تُحسِن استخدامه، بل ابحث عمّن يستطيع استخدام القاذفة ولا تفوّت على نفسك فرصة كبيرة للتفوّق، فأكثر المؤسسات تكون مليئة بالجيدين وهم أعرف مِن غيرهم بأصوب الأساليب لتحسين الخدمات وتحقيق المرجو من نتائج، فقط يحتاجون لفرصة عادلة بعيداً عن أحكامٍ مجحفة مسبقة والإتيان بفريقٍ لخلافة فريق سابق يتم وصمه بالفشل وجعله شماعة للإخفاق وهو الوضع الذي سخر منه منزل التحكيم بقول المولى سبحانه: "كلما دخلت أُمةٌ لعنت أختها"!