يجري التطرق عند الحديث عن الوضع في العراق إلى الممارسات الديمقراطية في هذا البلد وتقييم الخبرات التي تراكمت لدى القوى المشتركة في العملية السياسية على مدى السنوات العشر المنصرمة، خاصة وأن البلد على وشك خوض تجربة جديدة ثالثة لممارستها، فهو على أبواب انتخابات نيابية قريبة.

مرت الحياة الحزبية في العراق بتقلبات شتى، قلة إيجابية وكثرة سلبية، بين ظروف أتيحت فيها لبعض الأحزاب فقط حق ممارسة العمل السياسي بشكل علني وحرمت فيها أحزاب أخرى من الحصول على هذا الحق مما أجبرها على التخفي واللجوء للعمل السري بسبب القيود التي وضعت على إجازتها من جهة وموقف السلطة المعادي لأجندتها من جهة أخرى. فمنذ عام 1922 ..

حيث شرع أول قانون لتنظيم عمل الأحزاب لم ير العراق حياة سياسية حزبية حقيقية، فهذا القانون تم تجاوزه وتناسيه من قبل حكومات متعاقبة لجأت في أحيان كثيرة إلى فرض حالة الطوارئ خلال فترة الحكم الملكي لتعطيل الحياة السياسية وتمرير سياساتها.

أما في العهد الجمهوري الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن فلم يحدث متنفساً يساعد على بناء حياة سياسية ديمقراطية بسبب تجذر عقلية الاستحواذ في أيديولوجية الحكام التي وصلت في بعض الأحيان حدود التصفيات الجسدية للقوى المعارضة. ويمكن القول بشكل عام إن ممارسة العمل السياسي الحزبي في العلن أو في السر في العراق لم تثمر عن تجربة ديمقراطية حقيقية ولم تصنع تقاليد بناءة.

نقطة التحول الحقيقية في العمل السياسي الحزبي بدأت مع سقوط النظام السابق عام 2003 حيث أتيح المجال في أجواء تسيبية فضفاضة برعاية أميركية لتشكيل عدد كبير من الأحزاب والتكتلات دون ضوابط، تتفاوت في حجمها وسعة نفوذها في الشارع. معظمها لا تمتلك من الخبرات سوى ما أتيح لها الحصول عليه في العمل السري كقوى معارضة تمتلك خطاباً وتقاليد تحريضية تسقيطية لا تصلح للعمل بها في المرحلة الجديدة.

الممارسات الديمقراطية في العالم متنوعة سواء في أنظمتها الانتخابية أو في اللوائح التي بموجبها تجاز الأحزاب لممارسة العمل السياسي، ولا يوجد نموذج مثالي متفق عليه ليكون معياراً لمقارنة الممارسات الديمقراطية الأخرى به والحكم بما لها وبما عليها.

وليس أمامنا في هذه الحالة للحكم على مستوى الفرص المتاحة للممارسات الديمقراطية في العراق سوى التعرف على الإطار الرسمي المتاح لذلك والذي يتعلق بمحورين رئيسيين، أولهما النظام الانتخابي المعمول بها والثاني القانون الذي بموجبه تجاز الأحزاب وتمارس مهامها.

فعلى مستوى المحور الأول هناك نظام انتخابي تم إقراره وهو نظام سانت ليغو بعد أن أجري عليه أخيراً تعديل يضعف من فرص الأحزاب الصغيرة إثر نتائج انتخابات مجالس المحافظات التي لم ترق نتائجها للأحزاب الكبيرة المسيطرة على العملية السياسية. أما بالنسبة للمحور الثاني..

فعلى الرغم من الحاجة الماسة لقانون ينظم عمل الأحزاب ويكسبها غطاءً قانونياً إلا أن تشريع هذا القانون يواجه عقبات شديدة ومساومات والتفافات لإخراجه بصيغة ليس الغرض منها حماية الديمقراطية وإنما لممارستها على الطريقة التي تبقي ما هو موجود على حاله وتنسجم من حيث المبدأ والغاية مع التعديل الذي أجري على نظام الانتخابات.

الأحزاب التي تسيطر على العملية السياسية الجارية في العراق رغم أنها تعرضت إلى ظروف قمع قاس على مدى عقود طويلة لا ترفض كلياً أبرز ممارسات الهيمنة التي لجأت إليها السلطات في الماضي لقمع معارضيها ولكن عن طريق اللوائح والقوانين، فمن يمسك بزمام الوضع في العراق يقوم بفرض التفاصيل التي تتعلق بصناعة أطر العملية السياسية لتناسب مقاساته.

إن مما ساعد على ترسيخ العمل بالمبادئ الديمقراطية في الدول المتقدمة هو أن هناك قلة من الثغرات القانونية التي تسمح بالتجاوز على مبادئ الديمقراطية من جهة والتزام أخلاقي بالابتعاد عن ذلك من جهة أخرى. فمخالفة الأعراف الديمقراطية خطيئة لا تغتفر ليس من السهل التستر عليها أو السماح بمرورها مرور الكرام، فهي سرعان ما تفضح وتدان.

قانون الأحزاب المطروح الآن أمام المجلس النيابي للتصويت فيه الكثير مما يستوجب التوقف عنده، وإذا تجاوزنا الناحية الشكلية نحو مضمون القانون فحسب ومدى انسجامه مع المبادئ الديمقراطية لا مفر من القول إن هناك ثغرات كثيرة فيه لم تتأتى عن جهل أو خطأ وإنما جاءت لتكريس ما اتبعته القوى المهيمنة على المشهد السياسي على مدى السنوات العشر المنصرمة.

فرغم ما فيه من بعض الإيجابيات إلا أن فيه الكثير من الثغرات والعيوب الخطيرة التي لا تتفق مع المبادئ الديمقراطية، ولسنا بصدد التطرق إلى جميعها فسطور هذه المقالة لا تتسع لذلك، ولكن سنتناول ناحية واحدة تمثل العلامة الفارقة التي تتميز بها العملية السياسية وهي الإصرار على عدم السماح لنشوء قوى جديدة وإبعاد الأحزاب والتكتلات الصغيرة عن الساحة السياسية..

والهيمنة على مصائر العمل الحزبي عن طريق تقوية الدور الحكومي فيه. فقد ورد في المادة 11 المتعلقة بتأسيس الأحزاب ما يجعل تشكيلها أمراً صعباً إذ أنها تحرم عدداً من الأحزاب الناشئة من العمل السياسي فقد اشترطت أن يكون الطلب المقدم لتأسيس الحزب مرفقاً بقائمة تضم أسماء عدد لا يقل عن ألفي عضو مؤسس مقيمين في ست محافظات عراقية على ألا يقل العدد عن مائة عضو في كل محافظة من هذه المحافظات.

من جانب آخر اشتمل القانون على صيغ تسلطية تتيح للسلطة التنفيذية التدخل في شؤون هذه الأحزاب، فقد أناطت المادة 11 صلاحية النظر بتأسيس الأحزاب بمحكمة القضاء الإداري المرتبطة بوزارة العدل وليس بمجلس القضاء الأعلى المستقل حسب الدستور. كما حددت المادة 19 الجهة الرقابية على أنشطة الأحزاب بدائرة شؤون الأحزاب السياسية الموصى باستحداثها ووضعها ضمن الهيكل الإداري لوزارة العدل. وقد منح لهذه الدائرة سلطات واسعة لا تقتصر على تقدير مبالغ الإعانات المالية التي تقدمها الدولة للأحزاب وفق القانون وإنما صلاحية الطلب من محكمة القضاء الإداري إيقاف نشاط الحزب لحين البت في مصيره.