مثل سهم منطلق نحو هدف غير معروف، كان يشق طريقه بين جموع المتسوقين والسياح والمتسكعين في الساحة المخصصة للمشاة بين "كارلز بلاتز" و"مارين بلاتز"، قلب مدينة "ميونيخ" الذي يعج بالكافيهات والمطاعم والمحلات التجارية، مستقطبا زوار المدينة من كل أنحاء الدنيا.
ومثل مقاتل عربي قادم من عمق التاريخ، أنهكته حروب داحس والغبراء وأخواتها، كان يبدو بلحيته البيضاء التي كانت تضفي عليه مهابة تتناسب مع سنه، في الثوب العربي ناصع البياض الذي كان يرتديه، والغترة التي كان يلفها أسفل ذقنه ويغرز أحد طرفيها في العقال الذي كان يميل قليلا إلى الجهة اليسرى من رأسه.. هكذا رآه في الساحة الشهيرة التي يعرفها زوار تلك المدينة الألمانية جيدا.
لو كان المخرج الأميركي العالمي، سوري الأصل، مصطفى العقاد على قيد الحياة ورآه على هذه الهيئة، لما تردد في إسناد أحد أدوار بطولة أفلامه إليه، ولربما كان قد خطف دور البطولة من "أنتوني كوين" في فيلم العقاد الشهير "عمر المختار"، ذلك المجاهد العربي الليبي الذي قضى مشنوقا على أيدي الطليان، طاويا معه زمنا عربيا كان حافلا بالأبطال، رغم الاحتلال وسوء الأحوال.
. أو ربما أصبح بطل فيلم "صلاح الدين" الذي رحل العقاد دون أن يحقق حلم رؤيته، بعد أن عجز عن توفير ثمانين مليون دولار، هي كلفة إنتاجه التي لم تستطع حكومات الوطن العربي التي طرق أبوابها أن توفرها له، بينما كانت هذه الحكومات تنفق مليارات الدولارات على شراء الأسلحة كي تحمي أنفسها من أعدائها، دون أن تعرف أن هؤلاء الذين يبيعونها السلاح هم أنفسهم الذين يتآمرون عليها، ويسعون إلى تقويض حكمها، وتفتيت بلدانها.
"لو كان يتخذ طريقه، وهو على هذه الهيئة، في أحد أسواق شبه الجزيرة العربية.. أو الشام.. أو العراق مثلا، لما لفت نظر أحد، لأن هناك ملايين الوجوه التي تشبهه، تعبر تلك الأسواق آناء الليل وأطراف النهار"؛ قال صاحبنا محدثا نفسه وهو يتابع خطوات ذلك الغريب غير الآبه بما حوله ومن حوله.
"لكنه في هذا المكان الممتلئ بذوي الشعور الشقراء والعيون الزرقاء، لا بد أن يكون ملفتا للنظر"؛ واصل حواره الداخلي متوقعا أن تتحول الأنظار عن نصب "المارين زولي" الذي يحتل تمثال "مريم العذراء" أعلاه، لتتجه إلى هذا الغريب الذي اقتحم المكان في غفلة من مجسمات الحيوانات الأربعة التي تحرس قاعدة التمثال، وترمز إلى المحن التي تغلبت عليها المدينة، فلم يثب عليه الأسد الذي يرمز للحرب، ولا "الكوكتريس" الذي يرمز للوباء، ولا التنين الذي يرمز للمجاعة....
ولا الأفعى التي ترمز للهرطقة. في اتجاه لفت الأنظار الذي بدا لصاحبنا منطقيا ساعتها، صبت كل الأفكار.. لكنّ شيئا من هذا لم يحدث، فلا كاميرات السياح غيّرت وجهة عدساتها ناحية هذا المشهد الذي ظن أنه ربما بدا لحاملي الكاميرات غريبا، ولا أنظار ذوي الشعور الشقراء والعيون الزرقاء اتجهت نحوه! وحدهم العرب الذين كانوا ينتشرون في الساحة وقتها، ويشكلون جزءا كبيرا من المشهد، أخذوا يتابعون خط سير ذلك الرجل مستغربين منظره.
أفكار كثيرة دارت في ذهن صاحبنا، الذي كان يراقب ذلك العربي وهو يخترق الساحة المزدحمة بمختلف أشكال وألوان البشر، مستغربا عدم استرعائه انتباه أحد ممن توقع أن يسترعي انتباههم، قبل أن يتساءل: تُرى.. لو مرّ هذا العربي، في هيئته هذه، بهذا المكان، قبل مئة عام أو أكثر، هل كان سيقابَل بكل هذا التجاهل الذي يُقابَل به الآن؟!
تساؤل استدعى الكثير من الصور، كان أوضحها حضورا حكايات "ألف ليلة وليلة" التي ألهبت خيال الغربيين، بعد أن ترجمها إلى الفرنسية المستشرق "أنطوان جالان" عام 1704، ونقلها عنه كُتّاب الغرب، راسمين للشرق صورة أسطورية ربما لم تخطر على بال كاتب هذه الليالي المجهول نفسه. "كان سيلفت نظرهم بالتأكيد، أو ربما اعتقد البعض أنه كائن من كوكب آخر هبط عليهم بطبق من تلك الأطباق الطائرة التي ما زال سرها مجهولا حتى الآن"؛ هكذا تواصل الحوار الذي كان يدور في داخله بحماس متقد.
الجواب المنطقي الوحيد الذي وجده لهذا التجاهل، بعد تفكير لم يستغرق كثيرا، هو أن صورة العربي بلباسه التقليدي هذا لم تَعُد غريبة أو مثيرة لاهتمام الغربيين، بعد أن أصبحت صور العرب وبلدانهم مادة يومية في وسائل الإعلام الغربية.....
وعلى شاشات التلفزيونات العالمية.. لكنها ليست صورا بهيجة الألوان، عامرة بمجالس الأنس والطرب، تلك التي ألهب بها كتاب "ألف ليلة وليلة" خيال الغربيين، وإنما هي صور كئيبة، أصواتها تفجيرات السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، وألوانها دماء النساء والأطفال والبشر الأبرياء، التي تسيل كل يوم في أنحاء الوطن العربي الذي نامت شعوبه على الأحلام، وصحت على كل أنواع المنغصات والآلام.
لهذا كله لم يثر منظر ذلك العربي المنطلق كالسهم في ساحة "مارين بلاتز" الشهيرة وسط "ميونيخ"، سوى فضول العرب الذين كانوا يؤمون الساحة في تلك الساعة من النهار....
فأفسح بعضهم له الطريق، وهم يدعون في سرهم أن لا يراه أحد من ذوي البشرة الشقراء والعيون الزرقاء، بينما مضى البعض الآخر في طريقه مبتعدا عن المشهد كله، كأن الأمر لا يعنيه في شيء، أو كأنه ليس جزءا من المشكلة، ولا طرفا في الحل الذي أصبح مستعصيا على أكثر الناس فطنة من أهل الحل والعقد أنفسهم..