الاهتمام الذي حظيت به صورة أوباما مع رئيسي وزراء الدنمارك وبريطانيا، في تأبين مانديلا، وهم يلتقطون ضاحكين صورة لثلاثتهم بالمحمول، بينما تجلس ميشيل أوباما وحدها لا تبدو على ملامحها علامات الرضا، كان أهم بكثير من الاهتمام الذي حظي به الخطاب الذي ألقاه أوباما في تلك المناسبة. والصورة مستهجنة فعلاً، ليس لأنها أثارت استياء ميشيل أوباما، وإنما لأنها لا تتناسب مع جلال الموقف ولا مع فقدان العالم شخصية بحجم نيلسون مانديلا. فالصورة مجرد سماجة سياسية لا تستحق كل هذا الاهتمام، خصوصاً إذا ما غطى على ما قاله أوباما في تلك المناسبة، وينطوي على دلالات مهمة إذا كان من يلقيها هو أول رئيس أسود لأميركا، في حفل تأبين زعيم المقاومة ضد العنصرية في إفريقيا.
فالخطاب الذي ألقاه أوباما كان في الحقيقة خطاب أميركا "البريئة" كالعادة، لا ترتكب أخطاء وتدافع عن مبادئ الحرية وحقوق الإنسان في العالم. وهو خطاب يناسب المتلقي في الولايات المتحدة، لا المتلقي في جنوب إفريقيا ولا في أي مكان يكافح شعبه ضد الظلم والقمع والعنصرية، لذلك لم يثر الخطاب انتقاداً يذكر في أميركا نفسها.
فالخطاب أسهب في الحديث عن شخص مانديلا وكفاحه، ولكن بشكل مقطوع الصلة تماماً بالسياق الذي حدث فيه ذلك الكفاح.
فأنت تستمع للرئيس الأميركي، فتتخيل أن كفاح مانديلا كان يدور داخل بلاده في فراغ دولي كامل. فلا وجود لأمواج عاتية تأتي من خارج البلاد تعطل الكفاح وتعيقه، ولا أثر على الإطلاق للقوى الكبرى التي وقفت ضد ذلك الكفاح ودعمت "الظلم والمصالح القوية"، وكانت وراء الإلقاء بمانديلا في غياهب السجون "منذ عهد كينيدي حتى آخر أيام الحرب الباردة" على حد تعبير أوباما نفسه. كما لم تحمل كلمات أوباما أية إشارة للكفاحات التي خاضها مانديلا بعد خروجه من المعتقل، ضد تلك القوى الكبرى نفسها.
فالرئيس الأميركي حين تحدث عن مانديلا و"تحمله للسجن الوحشي" لمدة 27 عاماً كاملة، لم يذكر ولو تلميحاً أن بلاده كانت مسؤولة ولو جزئياً عما تعرض له مانديلا.
فالمخابرات المركزية الأميركية ساعدت النظام العنصري، فوفرت المعلومات التي أسهمت في القبض عليه. ثم إن أوباما تحدث عن إيمان مانديلا "العنيد" بالعدالة، وعن روحه المتمردة التي كافحت "ضد النظام الذي سجن ملايين السود"، لكن لم تصدر عن الرئيس الأميركي ولو إشارة عابرة، تعبر عن ندم بلاده أو اعترافها بأنها أخطأت حين دعمت نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، اقتصادياً وعسكرياً، الذي كان مسؤولاً عما جرى "لملايين السود" هؤلاء.
ولم يكلف الرئيس الأميركي نفسه أن يعبّر ولو عن خجله بشكل شخصي، من أن بلاده ظلت تضع اسم مانديلا في قوائم الإرهاب حتى بعد أن خرج من المعتقل وانتخب وتولى رئاسة جمهورية جنوب إفريقيا.
فمانديلا ظل "إرهابياً" في القانون الأميركي، إلى أن صدر قرار من الكونغرس في عام 2008 ينزع تلك الصفة عنه. بعبارة أخرى، لم يعلن الرئيس الأميركي أي اعتذار أو حتى أسف من أي نوع، لأن بلاده ظلت تعتبر مانديلا "إرهابياً" طوال حياته، باستثناء السنوات الخمس الأخيرة من عمره!
وبدلاً من أن يجد "أول رئيس أسود" لأميركا أوجه التشابه الحقيقية بين محنة جنوب إفريقيا ومحنة سود أميركا، إذا به يشبه مانديلا بأبراهام لينكولن باعتبار أن كلاً منهما "حفظ تماسك بلاده التي كانت توشك على أن تنقسم على نفسها".
والحقيقة أنه لا علاقة إطلاقاً بين ما فعله مانديلا وما فعله لينكولن، فمانديلا أنقذ بلاده بالفعل في أوائل التسعينات من أن تدخل في أتون صراع دموي، بينما دخلت الولايات المتحدة بالفعل حرباً أهلية ضروساً انتهت بانتصار لينكولن.
ولو كان لينكولن قد انهزم في تلك الحرب، لانفصل الجنوب الأميركي الذي كان يرفض إلغاء العبودية. ليس ذلك فقط، فقد قدم أوباما تشبيهاً آخر لا علاقة له بالحقائق التاريخية، حين شبه إنجاز الدستور في جنوب إفريقيا في عهد مانديلا، بما فعله "الآباء المؤسسون" لأميركا حين كتبوا دستوراً "يحفظ حريات الأجيال القادمة".
فالدستور الأميركي حين كتب في القرن الثامن عشر، لم يكن يحفظ إلا حريات وحقوق البيض الذكور فقط، بينما أعطى العبودية شرعية دستورية، وحرم المرأة من الحريات والحقوق المتساوية. وهو بالضبط ما كافح ضده مانديلا، وكتب دستوراً يلغي التمييز.
ولم يعكس خطاب أوباما بأي شكل، أن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تكن سعيدة أبداً بمانديلا رئيساً لبلاده. فمانديلا بعد خروجه من المعتقل لم ينس أبداً من دعموا كفاحه ضد العنصرية والقهر، وعلى رأسهم الفلسطينيون والكوبيون، وهو ما أثار حفيظة الولايات المتحدة، فكان رد مانديلا وقتها قاسياً، حيث قال إن "الزعماء الأميركيين يريدونني دائماً أن أبتعد عن الذين وقفوا بجانبي ودعموني حينما كنا نكافح ضد الأبارتيد، لكنهم هم الذين وقفوا معنا وليس أنتم، ثم من أنتم حتى تختاروا لنا أصدقاءنا".
ولم ترض الولايات المتحدة أبداً عن موقف مانديلا الرافض بقوة لاحتلال العراق، وللممارسات الإسرائيلية التي وصفها بـ"الإرهابية". وقد خاض مانديلا معركة ضخمة ضد شركات الأدوية الأميركية العملاقة، التي كانت تبيع عقارات الإيدز بأسعار باهظة، ولجأ لشرائها من دول أخرى، الأمر الذي أثار حفيظة تلك الشركات، وخاضت إدارة كلينتون الحرب في صفها ضد مانديلا.
باختصار، مانديلا الذي توفي هذا الشهر، ليس هو نفسه الذي كان يتحدث عنه خطاب رئيس أميركا. وكفاحه الطويل من أجل العدل والحرية في بلاده، ليس هو في الواقع الذي تحدث عنه أوباما. فما تحدث عنه أوباما كان "كفاح لايت"، إذا جاز التعبير. فكفاح مانديلا لم يكن مجرد كفاح ضد نظام عنصري، وإنما كفاح ضد قوى دولية عملاقة، وقفت ضده بشراسة ودعمت النظام العنصري بكل ما أوتيت من قوة.