الأمن القومي اصطلاح حديث لتسيير الأولويات الاستراتيجية للدول، وقد ولد مفهوم الأمن القومي بعد الحرب العالميه الثانية، وأول إدارة امن قومي تم إنشاؤها كانت وكالة الأمن القومي الأميركي عام 1974.
والأمن القومي لدولة عبارة عن لفيف مكون من أبعاد مختلفة، من أهمها البعد السياسي (الحفاظ على الكيان السياسي للدولة)، والبعد الاقتصادي (يرمي إلى توفير المناخ المناسب للوفاء باحتياجات الشعب وتوفير سبل التقدم والرفاهية له)، والبعد الاجتماعي (يرمي إلى توفير الأمن للمواطنين بالقدر الذي يزيد من تنمية الشعور بالانتماء والولاء للدولة)، والبعد المعنوي أو الأيديولوجي (يؤمِّن الفكر والمعتقدات ويحافظ على العادات والتقاليد والقيم).
تصب هذه الأبعاد في صياغة استراتيجية الأمن القومي، ويقوم مجلس الأمن القومي بترجمتها وبتنفيذها، وعادة ما تكون طويلة المدى، تتكيف مع تغير المعطيات حولها. وكمثال لاستراتيجيات الأمن القومي، نستعرض مبادئ الاستراتيجية التي أطلقها البيت الأبيض في مايو 2012؛ المصالح الأميركية المستدامة:
1- أمن الولايات المتحدة، مواطنيها، وحلفاء الولايات المتحدة وشركائها.
2- اقتصاد الولايات المتحدة قوي ومبتكر، ونمو في النظام الاقتصادي الدولي الحر الذي يعزز الفرص والازدهار.
3- احترام القيم العالمية في الداخل وحول العالم.
4- أن تكون القيادة الأميركية في مقدمة الترتيب العالمي، تروج للسلام والأمن والفرص، تحت مظله قوية من التعاون لمواجهة التحديات العالمية.
يأتي مفهوم الأمن القومي على شقين؛ الأول يعتبر المفهوم الضيق كما اعتمدته دائرة المعارف البريطانية "الأمن القومي يعني حماية الأمن من خطر القهر، من دولة أجنبية". وهذا التعريف يركز على استخدام القوة العسكرية لحماية الأمن الوطني، ويعني الاعتماد على استخدام القوة العسكرية.
وأما الثاني الأكثر شمولية، كما وضحه روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأميركي الأسبق، فهو "ان الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، في ظل حماية مضمونة، والأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها، ولإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات، سواء في الحاضر أو المستقبل". نظرة ثاقبة من مكنمارا، فهو الحاضر وهو المستقبل.
يعد التعريف الأول أكثر شيوعاً في العالم، ونراه أكثر انتشاراً بين الدول، وخاصة تلك التي يحكمها العسكر، ولإسرائيل عضوية خاصة في هذا النادي. ويعتمد هذا المذهب استراتيجية العدو المستمر (إسرائيل والعرب)، حيث تبث إسرائيل القلاقل والعدوانية، ليأتي العسكر الإسرائيلي لشعبه مبرراً حاجتهم إلى مقاعد الحكم واتخاذ القرار، مما يعطي "العسكر الإسرائيلي" سلطة التحكم فيها واحتساء المساعدات الأميركية، وما يتبقى من عظام يرمونه على شعبهم. أما العسكر العربي فيحتسون من مساعدات دول مجلس التعاون، ثم يرمون كلابهم على شعوبهم ترهبهم وتهشمهم في ظلمات فوق ظلمات..
إنما ما ترتعد له الأجسام، هو ما سيجلبه هذا الترتيب الجديد من قلاقل هيكلية ومضاعفات جانبية، إذ إنه شرٌ قادم ندعو الله أن تمر عواقبه بسلام.
لقد نقلت نيويورك بوست (18/9/2012) عن هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية الأسبق، قوله "لن تكون هناك إسرائيل بعد 10 سنوات، وأكرر أن إسرائيل لن تكون هناك بعد 10 سنوات".. وهكذا اتضحت لنا نهاية الترتيب الجديد الذي أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق بوش الأب، ولكن كيف الوصول إلى ذلك؟ هذا موضوع آخر، لكننا نستقي من منهج التطوير المؤسسي أنه تجب إذابة الوضع القائم وإعادة تشكيله في مرحلة الإذابة، وبعد ذلك يتم التجميد على الوضعية الجديدة.
أما الإذابة في الدول فتتطلب بث القلاقل وإطلاق المرتزقة للترويع والتخريب، وتحت هذه الهالة يكون استصناع الترتيب الجديد.. وهكذا ولدت كردستان العراق، والآن كردستان سوريا في حالة ولادة، والسؤال متى ستولد كردستان إيران؟
الجدير بالذكر أنه في شهر أغسطس 2012 قامت لجنة مكونة من 16 وكالة وهيئة مخابرات أميركية، بتقديم تقرير من 82 صفحة، بعنوان "الاستعداد لمرحلة ما بعد إسرائيل في الشرق الأوسط".
يخلص التقرير من بين أمور أخرى، إلى أن المصلحة الوطنية الأميركية في الأساس على خلاف مع إسرائيل الصهيونية، وخلص الباحثون إلى أن إسرائيل هي حاليا أكبر تهديد للمصالح القومية للولايات المتحدة، بسبب طبيعة الإجراءات التي تتخذها في عرقلة نمو العلاقات الطبيعية بين الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية، بل وتطال على نطاق أوسع المجتمع الدولي.
الترتيب الجديد آخذ بنا في غياهب الظلمات، بالعبث في مراكز الثقل الاستراتيجي العربي، فهل هناك أحد تحت السجاد؟
مخاوف مختلفة تحوم من حولنا، وهناك العاطل اليائس والفتاة العانس والمجتمع البائس، وما هي إلا تراكمات قرارات اقتصادية استراتيجية خاطئة.. إنه من الصعب تصور أن تلك الأنظمة التي أوصلت دولها إلى الحضيض ستعيد التاريخ إلى الوراء، فلا مكان للنظم العسكرية الحاكمة في دول المنطقة.. إننا نحتاج إلى جيل لتعمير ما دمروا، وآخر للنهوض بالعرب.. إننا نتكلم عن جيلين، فهل هنالك من مختزل؟ هل هنالك من قائد؟ هل هنالك ملك للعرب نضع طموحاتنا بين يديه؟