يعد الاهتمام بالإنسان هدفا جليا وأساسيا لدولة الإمارات ومنطلقا من منطلقاتها، باعتبار أنه الاستثمار الحقيقي للوطن، كما أن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة كانت دوما محل الاهتمام والرعاية، باعتبارهم مواطنين لهم الحق في وضع ضوابط تيسر لهم حياتهم بعيدا عن الإهمال والتهميش.
ولا شك أن الاهتمام بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة هو أحد أهم مقاييس رقي الشعوب ومدى تحضرها، وتيسير معيشتهم لن يكون إلا في مجتمعات تعلي من قيم حقوق الإنسان. لذا فقد نص دستور الدولة في مادته الرابعة عشرة، في ما يخص حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، على أن "المساواة والعدالة الاجتماعية، وتوفير الأمن والطمأنينة، وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين، من دعامات المجتمع والتعاضد والتراحم صلة وثقى بينهم"، مما يؤكد على حق ذوي الاحتياجات الخاصة في العيش الكريم ومساواته بغيره من الأصحاء، وألا تكون الإعاقة حائلا بينه وبين معاملته كإنسان قادر على العطاء.
وآية ذلك تلك الاستجابة الرائعة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، للشاب الإماراتي أحمد الغفلي الذي رغب في مقابلته واقتناء كتاب "ومضات من فكر" فكان له ما طلب، ولأنه فاقد البصر طبع الكتاب بطريقة "برايل"، وأثنى عليه صاحب السمو حين قال له "إنك فقدت البصر ولكنك لم تفقد البصيرة، وتملك روحا إيجابية قادرة على مواجهة التحدي والتغلب على الصعاب".
لذا لم تفاجئني مبادرة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، مبادرة "مجتمعي.. مكانٌ للجميع"، والتي تهدف لتحويل دبي بالكامل إلى مدينة صديقة لذوي الإعاقة بحلول العام 2020، عبر دعم وتعزيز الجهود الحالية للإمارة في مجال تمكين ذوي الإعاقة، وضمن إطار جامع يساهم في تعزيز فاعلية المشاريع والمبادرات القائمة، واستحداث المزيد منها وفق رؤية ترمي إلى تعظيم مشاركة وإدماج هذه الفئة المهمة في المجتمع، وإيجاد مسارات عمل جديدة يمكن من خلالها تذليل كافة العراقيل التي قد تعترض طريق انخراط ذوي الإعاقة بصورة إيجابية في محيطهم الاجتماعي، كأفراد قادرين على الإنتاج والإبداع.
ولما كانت هذه المبادرة تهدف إلى إطلاق مجموعة من القوانين والأطر التشريعية والمبادرات التي تساهم بمجملها في تعزيز بنية تحتية وخدمية تتيح الوصول إلى كافة المرافق، والاستفادة من جميع الخدمات، وتوفير رعاية صحية متميزة لذوي الإعاقة، بالإضافة إلى خدمات اجتماعية مساندة، وخلق وعي مجتمعي واسع، ما يسهم في دمج ذوي الإعاقة ويؤكد مشاركتهم في تنمية المجتمع.. فإن هذا يؤكد أنها لم تتوقف فقط عند نشر الفكرة وإلقاء الضوء على فئة ذوي الاحتياجات الخاصة بصورة عاطفية، ولكن تحويلها إلى واقع معاش عبر حزمة من القوانين والأطر التشريعية.
وعندما يؤطر التعامل مع هذه الفئة من المجتمع قانون، فهنا لم يعد الأمر يتوقف فقط على الجوانب الأخلاقية الحاكمة، ولكنه تحول إلى حق مكتسب لا يمكن مخالفته والانتقال من مرحلة التطوع إلى مرحلة الحقوق، وهذا يزيد من إدماج فئة مهمة في قلب العملية المجتمعية، وتعميق انتمائهم الوطني، كما أن هذه المبادرة تجعلنا دائما ننظر من حولنا، ونشعر أن هناك من بيننا فئة تحتاج إلى شكل خاص في التعامل تجب مراعاته.
وفي تقديري أن هذه المبادرة، التي تكتسي بلباس القانون، سوف تغير من نظرة بعض أفراد المجتمع إلى مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة، من أنهم عبء على المجتمع إلى فئة منتجة عبر التدريب والتأهيل، وخاصة أن كل فرد في المجتمع، مهما كانت لياقته الذهنية والبدنية، قد يكون واحدا من ذوي الاحتياجات الخاصة يوما ما، وبالتالي فإن إغفال هذه الفئة أو عدم الاستفادة من إمكاناتها، يعد هدرا لجانب من الطاقة البشرية.
إن هذه المبادرة تؤكد على معنى آخر غاية في الأهمية، وهو تكريس ثقافة المسؤولية المجتمعية، "فما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط"، وقيمة الإنسان الحقيقية تقدر بما يسهم به من إنجازات حقيقية وما يقوم به من عمل.. وكم من أصحاء عاشوا عبئا على أسرهم ومجتمعاتهم، ولم يمثلوا غير رقم في حياة الشعوب، غير أن هناك من واجهتهم تحديات لكنهم استطاعوا أن يتغلبوا عليها، فقد تفوق يد واحدة عمل اليدين، وقد يبدع إنسان بأطراف أصابع قدمه ما يعجز عنه مكتمل الأطراف، ورب من فقد نعمة البصر رزق بوعي القلب ونور البصيرة، وإن العجز الحقيقي داخل النفس وليس خارجها، والقوة الحقيقة هي قوة الإرادة والتصميم على تحقيق الهدف. والله سبحانه وتعالي يقول في سورة الحج ((فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)).
ألم يفتح موسى بن نصير، القائد العربي، بلاد إفريقيا والأندلس على قدم واحدة؟ وعميد الأدب العربي طه حسين هو أول مصري حصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس، متحديا فقده للبصر في الثالثة من عمره، وأمتعنا بكتابات عجز عن مثلها المبصرون.. ألم يؤلف "بيتهوفن"، ذلك الموسيقي البارع، أجمل القطع الموسيقية على الرغم من فقده لحاسة السمع، و"لويس برايل" الذي فتح باب القراءة بطريقة حملت اسمه ولا تزال، و"توماس أديسون" الذي كان يعاني من الصمم إلا أن ذلك لم يمنعه من اختراع المصباح الكهربائي.
من هنا تبدو أهمية بث الثقة في نفوس ذوي الاحتياجات الخاصة، عبر تنمية الشعور بقيمتهم الذاتية، واكتشاف ما لديهم من استعدادات وميول يمكن تنميتها منذ وقت مبكر، من خلال التدريب المهني الذي يشعرهم بالاستقلالية، ويخلصهم من شعورهم بالاحتياج الدائم للاعتماد على الغير.
وهنا يتعاظم دور المؤسسات الأهلية في تحمل المسؤولية المجتمعية، والمشاركة بقوة في رفع هذا العبء النفسي عنهم. وإذا كان العالم يحتفل في 3 ديسمبر من كل عام باليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، فإن دبي حين تبادر يتوقف الكثيرون في مختلف أنحاء العالم ويرقبون حركتها، لأنهم يدركون أنها لا ترتضي غير التميز بديلا.. لذلك فإن مبادرة "مجتمعي مكان للجميع" ستقدم وجها آخر للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وفقا لأعلى المعايير الدولية، إن لم تتخطاها.