قبل أن يغادر منصبه كمستشار للأمن القومي في مستهل نوفمبر الجاري، ظل يعقوب عميدرور يوصف بالرجل الأقوى في الساحة السياسية الأمنية الإسرائيلية. وجرياً على تقليد مهني إسرائيلي، بسط عميدرور تقريراً شاملاً عن فترة ولايته أمام جلسة لمجلس الوزراء.

قال الرجل إن إسرائيل بصدد تهديدات استراتيجية تساور مصيرها ووجودها، تتعلق بما يطرأ من متغيرات وتطورات على كل من: المشروع النووي الإيراني ومكانة الولايات المتحدة العالمية ومستقبل الأسلحة الكيماوية السورية وسيرورة المفاوضات مع الفلسطينيين.

من هذا التصور والمناقشات التي دارت حوله في الجلسة الوزارية الإسرائيلية، نفهم ما يلي: إن طهران راحت تميل إلى الاعتدال والتجاوب ومع هذا فإنه لا ينبغي على إسرائيل إزالة الخيار العسكري ضد إيران، كي يبقي العالم مجبراً على عدم تجاهل مطلبها بعدم حيازة الإيرانيين للسلاح النووي. تظل مكانة إسرائيل بخير طالما احتفظت واشنطن بريادتها ومكانتها على قمة النظام الدولي.

يمثل نزع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية السورية تعزيزاً لحالة إسرائيل الأمنية. يشكل استئناف مسيرة التفاوض مع الفلسطينيين دعماً لصورة إسرائيل ومكانتها الدولية. بيد أن فشل هذه المسيرة سيؤدي إلى تعميق مقاطعة إسرائيل وعزلها.

إذا كان عميدرور قد اقتصر في تحليله لمصادر التهديدات المتربصة بإسرائيل على النقاط المذكورة، فإنه يكون بزعمنا قد فارق الصدقية وشمولية الرؤية إلى حد كبير. فأمن إسرائيل ووجودها معلقان بذمة قضايا وأبعاد أخرى لا تقل حيوية وإلحاحاً. ومن ذلك بلا ترتيب أو حصر: قضية التوازن السكاني بين اليهود والفلسطينيين داخل الدولة من ناحية وبين اليهود والفلسطينيين في فلسطين التاريخية من ناحية أخرى.

وقضية احتمال مفارقة الفلسطينيين لمسار التفاوض الممل، دون استثناء الانتفاضة الشاملة. وتبلور رأي عام غربي مؤيد أو مناهض لسلوكيات إسرائيل بعامة. وقضية التماسك المجتمعي والقيمي داخل إسرائيل خلف القناعات الصهيونية.

والظاهر أن الاستراتيجيين الإسرائيليين يستهلكون كثيراً من الجهد والوقت والانتباه لمجريات متغيرات بعيدة عنهم نسبياً كالمشروع الذري الإيراني، في الحين الذي تنذر فيه خرائط تفاعلات عربية على مرمى النظر منهم أو أحداث تجري بين أيديهم في جبهتهم الداخلية بتغيرات عاصفة؛ لا يمكن الاطمئنان بسهولة إلى مخرجاتها النهائية وظلالها على أمن دولتهم.

بعد بضعة أيام من خطبة عميدرور ووصاياه الوداعية، توقفت القناة العاشرة الإسرائيلية عند نتائج استطلاع أظهر أن أكثر من 51% من الإسرائيليين، تراودهم فكرة الهجرة بلا عودة من الدولة بسبب غلاء المعيشة وارتفاع تكلفة المواصلات العامة وأسعار الشقق ونحو ذلك من المنغصات الاقتصادية". ترى كيف مرت هذه الموضوعة ودلالاتها الأمنية المصيرية على فطنة عميدرور ومجلس الوزراء الإسرائيلي؟.

ما نعرفه أن هموم الحياة اليومية، كغلاء المعيشة وأعباء التعليم والرعاية الصحية، قد تثير بالفعل حفيظة الكثيرين، وتستحضر لديهم هاجس البحث عن فرص ذاتية أفضل في هذا العالم الفسيح. ومع ذلك فإن الانشداد إلى مساقط الرؤوس والأوطان الأم، يبقى دوماً ضمن الثوابت التي لا يمكن إلقائها ظهرياً. هذه هي خبرة الأقوام والشعوب في الدول والكيانات ذات النشأة التاريخية الطبيعية.

لكن إسرائيل بمستوطنيها المستجلبين من كل أقطار الأرض لا تندرج تحت هذه الخبرة. الهجرة عند الإسرائيليين لها معان وإسقاطات غير التي نعرف لدى سائر الشعوب. بل ولها مسميات ومفاهيم خاصة بهم حصرياً مثل "الهجرة المعاكسة". وحين تقع مثل هذه الهجرة، ..

قد يختفي الوطن الإسرائيلي تماماً من ذهنية المهاجر. في لحظة صدق مع النفس، علق أخيراً وزير المالية الإسرائيلي يائير لبيد، غاضباً، علي الذين يفكرون في "الهجرة العكسية " من إسرائيل بأنه "يشعر بضيق الصدر تجاه المستعدين لإلقاء دولة اليهود الوحيدة في سلة النفايات، لأن الوضع في برلين مريح أكثر".

وإذا لم يكن عميدرور قد أقلقته ظاهرة الهجرة إلى الأميركتين وأوروبا التي تداعب أحلام أكثر من نصف مستوطني دولته، فمن المؤكد أن لبيد يستحوذ على ذهنية أمنية استراتيجية أكثر حساسية وعمقاً، مقارنة برجل الأمن الإسرائيلي الأول سابقاً.