كل الطرق تودي بالعرب، ولا نقول تؤدي، إلى التهلكة. كان الأمل بالربيع فإذا به دخان نار أحرقت الأخضر وأبقت كل ما في الأرض أصفر بلون الحزن، لا استقرار ولا انتصار، خوف من المجهول وجهل بالتعامل مع الأحداث التي تسير بسرعة البرق. الطريق الأول يشقه وزير الخارجية الأميركي جون كيري سيراً على الأحلام العربية، بأن حلاً للقضية الفلسطينية آتٍ عبر المفاوضات. وقد عمل كيري جاهداً من أجل تهيئة الأجواء تمهيداً لطرح مبادرة، قال إنها ستفاجئ الجميع وخاصة «أولئك الذين يشككون ويسخرون من جهودي» في إشارة إلى بعض الفلسطينيين لجهة التشكيك وإلى بنيامين نتانياهو والليكود لجهة السخرية.

أثناء زيارته لبيت لحم حاول كيري إظهار تقربه من الفلسطينيين. تجول في الشوارع كأي سائح. اشترى ساندويتش لكن الفلسطينيين لم يشبع طموحهم ساندويتش كيري. هتفوا ضده ولما يحمله «لا نثق بأميركا»، «الولايات المتحدة ليست صديقاً لنا» «توقفوا عن دعم الاحتلال». والفلسطينيون الرسميون ليسوا أكثر ثقة بأميركا من فلسطينيي الشارع لكن لا حول لهم ولا «سلطة»! أما نتانياهو فقد خدع الوزير الأميركي وقال إن إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين الأخير تم مقابل تنفيذ أعمال بناء جديدة في المستوطنات، ما دعا كيري إلى تكذيبه علناً بقوله إن الإعلان عن إقامة خمسة آلاف وحدة سكنية في المستوطنات يبعث برسالة أنك غير جاد حيال عملية السلام، موضحاً أن الاتفاق كان إطلاق الأسرى مقابل تجميد الفلسطينيين توجههم إلى الأمم المتحدة في الوقت الحالي.

وعاد كيري إلى تهديد إسرائيل بانتفاضة ثالثة وبعزلة دولية ما لم تسهم في صنع السلام. إن كلمة انتفاضة وحدها تخيف إسرائيل، الانتفاضة الأولى هي التي دعتها إلى توقيع اتفاق أوسلو وإقامة سلطة لها علم ونشيد وطني فلسطيني وشرطة، سلطة أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة كما قال جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي آنذاك للفلسطينيين أثناء محاولات إقناعهم بالذهاب إلى مؤتمر مدريد.

المفاجأة التي يُلمّح إليها كيري، مما تسرب من معلومات، هي تخصيص أربعة مليارات دولار لإقامة مشروعات في الأراضي المحتلة تنعش الاقتصاد الفلسطيني ما يعني تهيئتهم نفسياً لقبول تنازلات تتعلق بالوضع النهائي للحل.

تنطلق المبادرة الأميركية للحل النهائي من مبادلة الأراضي وهي الخطة التي اقترحها الوفد العربي الذي أبدى تنازلاً ملحوظاً لدى مقابلته كيري في واشنطن وهو ما رفض ذلك جملة وتفصيلاً من الفلسطينيين. هذه الخطة سبق أن عرضها رئيس الوزراء الأسبق أولمرت عام 2008، وتفضي بالتوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين.

حيث تضمنت الخريطة مساحة الدولة الفلسطينية وهي بمقدار 100 في المئة من الضفة الغربية مع تبادل أراضٍ من الجانبين، وبموجب الخطة أي الخريطة المقترحة ستحتفظ إسرائيل بالتجمعات الاستيطانية الرئيسية الثلاثة تجمع مستوطنة ارئيل في الشمال والتجمع الاستيطاني القدس ومعاليه أدوميم والتجمع الاستيطاني غوشي عتصيون في الجنوب قرب بيت لحم، وفي المقابل فإن الفلسطينيين سيحصلون على مناطق بديلة في منطقة الشمال وفي منطقة العفولة، بيسان وفي الوسط ومنطقة الخيش وفي الجنوب بمنطقة صحراء جنوب الضفة بالإضافة إلى مناطق من النقب ستلحق بقطاع غزة.

ولم يرفض الفلسطينيون هذا التبادل ووافقوا بالرغم من نفيهم ذلك، حيث كتب أبو مازن كما تقول المواقع الإسرائيلية بخط يده يحصل الإسرائيليون على 6.8 في المئة من الأراضي مقابل 5.5 من الأراضي سيحصل عليها الفلسطينيون. هذه المبادرات الأميركية لم يكتب لها النجاح لأنها تلقت معارضة من مختلف الفصائل الفلسطينية وهي بمثابة انتقاص للمبادرة العربية والتي تنص على إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967.

لكن الظروف تغيرت والسياسات أيضاً. والقضية الفلسطينية ارتبطت بالملف النووي الإيراني وها هي مفاوضات الملف في جنيف «تلف» أطرافاً دولية معنية بالصراعات العالمية لأسباب استراتيجية وسياسية والأهم اقتصادية كالصين واليابان.

لا نظن أن تطورات الأزمة السورية بمعزل عن الحماس الأميركي لإطلاق مبادرة لحلحلة القضية الفلسطينية ولو بالضغط على إسرائيل كما فعل جورج بوش الأب تجاه اسحق شامير ودفعه إلى مؤتمر مدريد. قد تراجعت أميركا عن الحل العسكري للأزمة السورية وتوجهت نحو مؤتمر جنيف 2 وها هي تجعل جنيف تحمل توأمين: الملف الإيراني والأزمة السورية وهما فعلاً توأمان إذ لم يكن ممكناً حل الملف الإيراني بوجود سوريا قوية، وليس ممكناً حل الأزمة السورية من دون رضا إيران.

أين حصة العرب في هذا المولد؟ ربما يكون العرب هم الحمص على المائدة الأميركية الإيرانية كما كانوا في مولد العراق، ونأمل أن لا يكونوا.