في السابع عشر من يونيو عام 1972 لاحظ أحد حراس مبنى "ووترجيت" السكاني والتجاري في العاصمة الأميركية "واشنطن" وجود شريط لاصق يغطي أقفال عدة أبواب في المبنى فقام بإزالته، لكنه وجد الشريط يعاد وضعه على الأقفال من جديد! قام الحارس باستدعاء الشرطة بعد أن ساوره الشك حول الشريط اللاصق، فاقتحمت الشرطة المكان لتلقي القبض على خمسة أشخاص يقومون بزرع أجهزة تنصت على المكالمات الهاتفية للجنة القومية للحزب الديمقراطي.

هذه ليست لقطة من فيلم هوليوودي، وإنما هو المشهد الأول من فضيحة التجسس الأشهر في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية التي أطاحت بالرئيس "ريتشارد نيكسون"، واضطرته إلى إعلان استقالته عشية الثامن من أغسطس عام 1974 في خطاب متلفز قبل أن يكمل ولايته الثانية، مسدلاً بذلك الستار على تلك الفضيحة الكبرى التي هزت أركان الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، وجعلته يفقد 5 مقاعد في الكونغرس، و49 مقعداً في مجلس النواب لصالح الديمقراطيين، وتلطيخ تاريخه بفضيحة صار يضرب بها المثل، ويشتق من اسمها لكل الفضائح السياسية الكبرى التي عبرت تاريخ الولايات المتحدة منذ ذلك التاريخ، وحتى اليوم.

رغم أن فضيحة "ووترجيت" كانت محلية، إلا أنها أطاحت بالرئيس السابع والثلاثين للولايات المتحدة الأميركية، وسجلت اسمه في التاريخ باعتباره أول رئيس أميركي يستقيل، فما الذي يمكن أن تفعله فضيحة أثقل وزناً، مثل هذه التي فجرها "إدوارد سنودن"، عندما قام بتسريب تفاصيل برنامج التجسس الأميركي "بريسم" إلى صحيفتي "الغارديان" البريطانية و"واشنطن بوست" الأميركية، بعد أن عمل فترة متعاقداً تقنياً لدى وكالة المخابرات المركزية الأميركية؟

فضيحة التجسس الجديدة خرجت هذه المرة عن نطاق السباق التقليدي بين الحزبين الأميركيين اللذين يتنافسان على كرسي الرئاسة الأميركية، وأخذت بَعداً دولياً تجاوز حدود القارة الأميركية ليمتد إلى جهات الأرض الأربع، ولم يستثن الدول التي تُعدّ حليفة للولايات المتحدة الأميركية، فطال التنصت ما يقارب 35 زعيماً ورئيس حكومة، بعضهم مقرَّب جداً من الحكومة الأميركية، مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، الأمر الذي أثار ذعر وكالات الاستخبارات الغربية كلها، فبدأت رحلة بحث عن مدى تعرض بلدانها وزعمائها للتجسس من قبل مخابرات حليفتهم الأولى التي تنصتت على أكثر من 70 مليون مكالمة هاتفية خلال شهر واحد فقط في فرنسا وحدها.

ما الذي تهدف إليه الولايات المتحدة الأميركية من التجسس على أصدقائها وحلفائها الذين يفترض أن تكون مطمئنة إليهم، خاصة وأن بلدانهم تتمتع بأنظمة ديمقراطية من ذلك النوع الذي تدعي الولايات المتحدة أنها تقف إلى جانبه وتدافع عنه؟ هذا هو السؤال الأكثر طرحاً منذ أن صحا ضمير المحلل الاستخباراتي الأميركي السابق "سنودن"، وقرر أن يضحي بكل ما يملك، لأن "هذا التجسس يشكل تهديداً حقيقياً للديمقراطية التي تنادي بها بلادنا" على حد قوله.

هل هو هاجس الهيمنة الذي يسيطر على الرؤساء الأميركيين، بغض النظر عن ألوانهم وأصولهم وانتماءاتهم الحزبية، جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين؟ أم هو هاجس عدم الثقة الذي يجعلهم يشكون في حلفائهم قبل أعدائهم، ويحاولون معرفة ما يفكر فيه هؤلاء الحلفاء، خشية أن ينقلبوا عليهم، أو يحاولوا الاستقلال برأيهم والنأي ببلدانهم عن سياسات أميركا؟ أم هو هاجس هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي تتخذ الولايات المتحدة منها فزّاعة لبث الرعب في نفوس حلفائها، رغم أن عمليات التجسس سابقة لهذا الحدث، تمتد عشرات السنين، حيث بدأت في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وظلت تتنامى حتى بلغت ذروتها مع كشف "سنودن" لما كشف عنه من معلومات، معيداً إلى الأذهان كتاب "لعبة الأمم" الذي صوّر فيه ضابط المخابرات الأميركية "مايلز كوبلاند" الأمم كقطع شطرنج يجري تحريكها من قبل وزارة الخارجية الأميركية، عندما أصدره عام 1969 لتنفذ طبعته اللندنية الأولى في ثلاثة أيام فقط؟

كل هذه الهواجس واردة ومحتملة، لكن المؤكد أننا جميعاً أصبحنا مخترقين، ليس من قبل وكالات المخابرات التي أطلقت أقمار التجسس كي تجوب الفضاء منذ أوائل الستينيات من القرن الماضي، ولا من قبل برامج التجسس المستخدمة من قبل أصحاب الاختصاص من عملاء وكالات المخابرات ومحلليها فقط، وإنما حتى من قبل الهواة الذين أصبح بإمكانهم أن يتسللوا إلى هواتفنا الذكية وغير الذكية، ويسرقوا منها بياناتنا ليستغلوها بشكل أو بآخر.

التحق "سنودن" بالجيش الأميركي عام 2003 ودخل برنامجاً تدريبياً للانضمام إلى القوات الخاصة، لأنه كان ينوي المشاركة في القتال بالعراق، بعد أن شعر بمسؤوليته الإنسانية التي تحتم عليه المساعدة في تحرير الناس من العيش تحت الاضطهاد مثلما يقول، ويضيف إن "معظم المدربين في البرنامج كانوا متحمسين لقتل العرب، وليس لتحرير أي منهم"! لكن "سنودن" تم تسريحه من البرنامج بعد أن كسرت رجليه خلال التدريب، فلم يخض تجربة "المساعدة في تحرير الناس من العيش تحت الاضطهاد" كما خاضها غيره من الأميركيين، لذلك فإن ما كشف عنه "سنودن" من أسرار، وما لم يكشف عنه حتى الآن، يعكس الأسلوب الذي تتعامل به الولايات المتحدة مع أعدائها وحلفائها على حد سواء.

هكذا تجمع العقلية الأميركية بين المتناقضات كلها، فتساوي بين تحرير الناس من العيش تحت الاضطهاد وقتلهم، وتساوي بين التجسس على أعدائها وأصدقائها، تماماً مثلما تساوي بين محاربة الإرهاب وتأييد الجماعات التي انبثقت منها كل المنظمات الإرهابية التي تعيث في الأرض قتلاً وخراباً وعنفاً. إنها قمة التناقض الذي لا يوجد له تفسير في كل القواميس.