غادر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي العاصمة بغداد في الثامن والعشرين من أكتوبر المنصرم، على رأس وفد كبير لزيارة العاصمة الأميركية ولقاء عدد من المسؤولين لمناقشة قضايا تهم العراق، منها التسليح والحرب الدائرة في سوريا وقضايا تتعلق بالإرهاب، وربما هناك قضايا أخرى لم تعلن تتعلق بما يطمح إليه رئيس الوزراء من البقاء في الحكم لفترة رئاسية ثالثة، ولم تخل التعليقات على هذه الزيارة من تكهنات أخرى رددتها وسائل الإعلام.
لم تكن الأجواء في الكونغرس الأميركي مرحبة بزيارة المالكي فقد استبق الزيارة عدد من المتنفذين في مجلس الشيوخ، بتوجيه رسالة إلى الرئيس الأميركي أوباما ذكروا فيها أنهم «قلقون جداً من تدهور الأمن في العراق مذكرين بتعدد الاعتداءات التي خلفت سبعة آلاف قتيل منذ بداية 2013».
واعتبروا أن «سوء إدارة السياسة العراقية من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي أسهمت في عودة العنف». وتزامن مع هذه الزيارة كشف حصيلة رسمية عراقية صدرت عن وزارتي الصحة والداخلية تشير إلى ارتفاع عدد ضحايا العنف إلى أعلى معدل منذ 2008.
رئيس الوزراء العراقي المالكي على علم بمدى البرود الذي أصبحت فيها علاقاته مع الإدارة الأميركية، إلا أنه لا يتفاعل مع ذلك بطريقة تعبر عن تفهمه لمدى خطورة ما يترتب على ذلك خاصة وأن العراق يرتبط باتفاقية تعاون أمني استراتيجي مع الولايات المتحدة. فحين يقول لنائب الرئيس الأميركي بايدن في أول لقاء بينهما:
«بعضكم متأثر بحملات الدعاية المضادة التي تشن ضدنا»، فهو يصر على البقاء بعيداً عن حقائق الواقع القاسية. فالمعلومات التي تعتمدها المؤسسات في الدول المتقدمة لرسم سياساتها وتعيين مواقفها لا تبنى على ما يتردد في وسائل الإعلام من أخبار وتحليلات بعضها دقيق وبعضها هزيل وبعضها يفتقر للدقة، فلها مصادرها الرصينة للحصول على المعلومات ومعالجتها.
لم يعد ما يجري في أي بلد يخفى على أحد خاصة إذا كان البلد مثل العراق تعرض لغزو الولايات المتحدة منذ عشر سنوات، والتي تحرص منذ حينه على إنجاح برنامجها السياسي المتعثر فيه. وإذا كان الإعلام لا يتطرق إلى بعض ما يجري في العراق لأنها تتم وراء الكواليس فهل يعتقد المالكي وطاقمه أن هاتفه الخاص وهواتف جميع الطواقم في المنطقة الخضراء وفي غيرها غير معرضة للتجسس،..
وهو يشهد بأم عينيه كيف أن الولايات المتحدة لم تتردد في وضع أقرب حلفائها وشركائها في حلف الناتو تحت الرقابة. ولا نتجاوز الصواب حين نقول إن كل من له رأي أو موقف مؤثر في الساحة العراقية سواء كان من رجال السياسة أو العشائر أو الدين عرضة للرصد. فقد أنشأت الولايات المتحدة أكبر سفارة في العالم على مقربة من مكتب المالكي، وهي مجهزة بما يمكنها ليس من إدارة عملياتها السياسية والإعلامية والمخابراتية في العراق فحسب بل في عموم منطقة الشرق الأوسط.
زيارة المالكي لواشنطن تأتي بعد مرور ما يقرب من سنتين على زيارته الأخيرة نهاية عام 2011 مع مغادرة آخر جندي أميركي أرض العراق، والتي عاد بعدها لإعلان الحرب على خصومه السياسيين والبدء في تصفيتهم، ما أدى إلى تداعيات خطيرة فاقمت من التراجع السياسي والأمني خلال السنتين المنصرمتين. المالكي في أضعف أوقاته وبحاجة لدعم الولايات المتحدة ويبدو حريصاً على التقرب منها بعد أن عمل على إبعاد نفسه عنها منذ أسهم في التعجيل بانسحاب القوات الأميركية أواخر عام 2011.
الأجندة التي يحملها لإقناع الإدارة الأميركية بالاستمرار في دعمه تتعلق بتوسيع الحرب على تنظيم القاعدة والإرهاب عموماً، وأن لديه رؤية لذلك تتفق مع رؤاها، وهو بحاجة لدعم استخباري أميركي وبحاجة لأسلحة هجومية أميركية لتنفيذ المهمة.
ولكن الرؤية الأميركية غير ذلك، فالسلاح وحده لا يقضي على الإرهاب ولن يعمل على استقرار العراق، فالإصلاح السياسي هو المدخل للحل الأمني فسياسات التهميش والإقصاء وإفراغ العملية السياسية من المحتوى الديموقراطي هي العوامل التي ساعدت على توسع النشاطات الإرهابية.
الرئيس أوباما قال كل ذلك ولكن بطريقة غير مباشره إذ شدد في لقائه مع المالكي على «ضرورة أن يتخذ العراق مزيداً من الخطوات نحو بناء نظام ديمقراطي شامل لحل الخلافات من خلال السياسة بدلاً من العنف».
الصراع الذي يدور في العراق أكبر كثيراً من قدرة رئيس وزراء وحزبه الذي تعوزه القدرات السياسية والإدارية على مواجهته، فهو لا يمتلك برنامجاً سياسياً لكل العراق، إلا أن لديه برنامجاً لم يعد من السهل التستر عليه وهو عراق للبعض فقط، لحزبه فحسب، وهو برنامج مصيره الفشل الذريع لأنه بدأ يصطدم بأقرب حلفائه الذين أتوا به للحكم. فما الذي يتوقعه المالكي من الإدارة الأميركية.
وقد فشل في مقاربة أبرز القضايا التي تحرص على تحقيقها وهو نجاح مشروعها الذي لن يتحقق دون أن تعتمد السلطة الحاكمة في بغداد برنامجاً تلتزم بموجبه ببناء دولة مدنية معاصرة تتراجع فيها الانتماءات الثانوية ليحل بدلها الانتماء للوطن وفق قوانين وممارسات تضع في أولوياتها مصلحة العراق ككل وتفرض وفق ذلك مبدأ الكفاءة في إشغال المواقع في الدولة وهو ما لم تستطعه الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ الغزو الأميركي قبل عشرة سنوات.
ليس من المعروف إن كانت الإدارة الأميركية قد تجاوبت مع طلبات المالكي، فالبيان الذي صدر في واشنطن وبغداد كان بروتوكولياً وصف الزيارة بأنها «مفيدة وناجحة». ولا ندري كيف يمكن أن تكون الزيارة ناجحة وهي تأتي على خلفية تراجع كبير يشهده العراق سياسياً وأمنياً من جهة، وتوجه المالكي نحو توقيع عقود تسليحية مع روسيا والتشيك من جهة ثانية.
وتحالفه إقليمياً مع دول تنظر الولايات المتحدة لها بعين عدم الرضا، إن لم نقل بعين العداء. إلا أن من الواضح أن المالكي لم يتلق وعداً بالاستجابة لطلبه بالحصول على بعض أنواع السلاح كطائرات الأباتشي وطائرات استطلاع من دون طيار فذلك من اختصاص الكونغرس.