جولة الإبراهيمي الأخيرة شملت كل الجهات المعنية سواء من قريب أو من بعيد، بالخفاء أو بالعلن. استمع إلى وجهات النظر المختلفة وبقي مصراً على أن الحريص على سوريا يجب أن يعمل على إنقاذ سوريا والتعاون من أجل هذا الهدف مع المنطقة وخارجها.

«فالأزمة خطيرة جداً ولا تهدد فقط الشعب السوري بل كل المنطقةً كما قال في مؤتمره الصحافي في بيروت التي أتاها من دمشق إثر لقاء كان منتظراً مع بشار الأسد. لكن بعد ساعات من مغادرة الإبراهيمي هاجمه وزير الإعلام السوري متهماً إياه بأنه يملك أكثر من لغة ولا يسمي الأشياء بأسمائها، في إشارة إلى قول الإبراهيمي إن مؤتمر جنيف للسوريين وليس للدول. في كلام الوزير السوري رائحة غرور، شعور بالنصر من غير انتصار حقيقي.

الكل يعلم أن النظام ما كان ليبقى حتى اليوم وسوريا غير مقسمة طائفياً وإدارياً لولا أن «تفاهماً» تم التوصل إليه بين القوتين العظميين أميركا وروسيا. تحت مظلة هذا التفاهم يتحرك الإبراهيمي، يستمع كثيراً، يتحدث قليلاً، يسعى لترتيب الطاولة كما تريد القوتان لتطبيق التفاهم الذي يحفظ أولاً وتاسعاً مصالحهما وعاشراً مصالح بقية الأطراف. ومن هنا لا توحي تصريحات ميدفيدف ولافروف بحرص على نظام دمشق تماماً كما لا توحي تصريحات أوباما وكيري بأي تقدير أو حتى احترام للمعارضة السورية التي لم تستطع أن تتوحد حول خطة طريق توصلها إلى قصر المهاجرين لتجلس في كرسي بشار.

ما ينطبق على الأطراف المباشرة للأزمة السورية ينطبق على تلك غير المباشرة ونعني الأطراف الإقليمية تركيا، إيران، إسرائيل، ودول عربية ترى في بقاء النظام السوري الحالي وحليفه حزب الله رأس حربة لإيران في قلب العرب، مع ما يستتبعه من ارتدادات للخلاف السني الشيعي ذي الأبعاد الموجعة داخل دول مهمة.

مشاركة إيران في مؤتمر جنيف 2 طبيعية وضرورية، حسب الإبراهيمي، لكنه لم يقل إن هذه الضرورة يفرضها الملف النووي الإيراني العالق منذ سنوات بين مفاوضات لم تؤد إلى نتيجة حتى الآن، وقد بحث وزير الخارجية الروسي عبر الهاتف مع الإبراهيمي سير التحضيرات لعقد «جنيف 2»، وكذلك اللقاء الثلاثي «روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة» في جنيف خلال أيام للتشاور بشأن المؤتمر. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان: إن لافروف ركز على أهمية استمرار جهود الإبراهيمي لتشكيل وفد موحد يُمثّل المعارضة السورية للتفاوض مع الحكومة السورية وضرورة تأمين مشاركة جميع الدول الإقليمية الرئيسية «المؤثرة» في المؤتمر.

وتجري محاولات لضم الصين واليابان أيضاً. أي إننا قد نكون بصدد مؤتمر دولي لا يقتصر على الأزمة السورية بل يتعداها إلى القضية الفلسطينية أو ما أصبحت تعرف بالصراع العربي الإسرائيلي الذي أصبح أشبه بصراع الفيل والنملة في غياب المصارع العربي المنشغل بالصراع الداخلي بينه وبينه!

الأسد أصر أثناء لقائه الإبراهيمي وقف ما اسماه دعم المجموعات الإرهابية في إشارة إلى المعارضة السورية المسلحة ومعلوم طبعاً من أين يأتي الدعم فلكل مصالحه الداخلية والإقليمية ومن حقه أن يحافظ على تلك المصالح.

من هنا جاء تصريح خولة مطر المتحدثة باسم الإبراهيمي بأن المبعوث العربي الأممي يقدر «دور المملكة العربية السعودية في إعطاء دفع لعملية السلام في سوريا والمنطقة». وقالت إن الإبراهيمي يأمل بمشاركتها (السعودية) في مؤتمر (جنيف2)، مؤكدة أنه لا يكن للمملكة ولخادم الحرمين الشريفين إلا كل التقدير والاحترام».

الأيام حبلى بالتوقعات ولا يزعم أحد معرفة ما يمكن أن يحدث بين العشية والعشية التي تليها. الظروف تزداد تعقيداً والوضع خطير جداً كما قال الإبراهيمي. والخطورة تكمن في الطريق المسدود الذي يمكن أن تصله الأزمة السورية إذ بعد الانسداد يحدث إما الانفجار أو القفز إلى الجحيم الذي يتسع للجميع.