هناك أنواع للطموح، هناك الطموح الإيجابي الذي يدفعنا نحو الارتقاء بذاتنا وعملنا، وهناك الطموح السلبي الذي يدفع إلى الغيرة والحسد والرغبة في زوال النعمة، وهو طموح سلبي لأنه يؤثر في المجتمع بأسره. لنأخذ مثال يحدث أمامنا دوماً، ماذا يحدث عندما يكون كرسي المدير أو مسؤول مهم شاغراً في إحدى المؤسسات العامة أو حتى أحد القطاعات الخاصة ؟
نحن لا نتحدث هنا عن التأخير في إنجاز المعاملات، التي قد تنتج عن غياب المدير ولا عن الإرباك الناتج عن غياب الشخص المسؤول عن اتخاذ القرار، ولكن بصراحة نتحدث عن الطموح والصراع الذي يظهر عند العديد من العاملين في تلك المؤسسة وطموحهم، بل ورغبتهم في الوصول والحصول على ذلك المنصب أو الكرسي الشاغر.
الأسباب التي تدعو أولئك الأشخاص للتنافس كثيرة، وقد يكون من بينها الاعتبارات المجتمعية، والمتعلقة بالمنصب كالوجاهة الاجتماعية والسلطة والنفوذ والمال، وغيرها من الاعتبارات المرتبطة بالشخص صاحب المنصب أو ما يسمى "المدير "، أو رئيس القسم ".
وبالتالي يعتبر وجودها في شخص أو عدم وجودها عند آخر له دلالات كثيرة، فالشخص المهم في نظر المجتمع هو صاحب المنصب أو صاحب القرار الذي يحمل قبل اسمه لقب "مدير"، أو "مسؤول"، وهي نظرة مجتمعية مرتبطة بالهيبة والنفوذ أو كليهما معاً، وبالتالي نجد بعض الأشخاص، من لا يملكون منصب معين يشار إليه بالبنان، يتوقون إلى شغل منصب مسؤول صغر ذلك المنصب أو كبر، فالعبرة في النهاية بلقب "مدير "، وليس بحجم العمل المسؤول عنه أو المطلوب إنجازه أو أهميته بالنسبة للمجتمع الذي نعيش فيه.
تلك العقلية موجودة بكثرة لدى العديد من الناس، وهي موجودة بكثرة بين الشرقيين عموماً لأسباب تاريخية متعلقة بالنفوذ الأجنبي، الذي تسلط عليهم وغرس فيهم العديد من القيم وجذر فيهم نظرة مجتمعية فوقية لصاحب النفوذ والجاه، لذا فما إن يخلو يشغر منصب مدير أو مسؤول حتى تتقاطر الأنظار لشغل ذلك المنصب، والكل يرى في نفسه الأحقية والأهلية والكفاءة لشغله أو الضلوع بمسؤولياته . ويحدث نوع من الحراك المؤسسى في المؤسسة ذات الكرسي الشاغر، لا يهدأ ولا يكل أو يمل إلا أخيراً بشغل ذلك المنصب.
كما أن نوع الحراك يعتمد على طبيعة المنصب الشاغر وأهميته وعلى الشخص أو الأشخاص الذين يرون في أنفسهم الكفاءة والمسؤولية، وفوق هذا وذاك الأحقية لشغل ذلك المنصب، فمنهم من تراه يبذل مخلصاً قصارى جهده وطاقاته في عمله، عله يلفت نظر رؤسائه وبالتالي ينال ترشيحهم لاحتلال المنصب الشاغر، والبعض الآخر يبذل قصارى جهده في خدمة المؤسسة وإعلاء شأنها لنفس الغرض.
أما البعض الثالث، فنراه يمضى الساعات الطويلة في التنقل بين قطاعات المؤسسة المختلفة، عله يسمع خبراً من هنا أو هناك، يشفي غليله ويطفئ نار شوقه لمعرفة اسم أو خبر عن الشخص المحتمل ترشيحه. هذه العقلية الاجتماعية نراها ماثلة أمامنا في كل مناسبة، يشغر فيها كرسي ما أو منصب معين، فنرى ذلك الحراك الكبير وكأن الأمر متعلق بالأمن القومي لتلك المؤسسة بل المجتمع بأسره.
هذه الظاهرة موجودة بيننا، وهي من الظواهر المجتمعية التي تتكرر أحداثها في كل مرة بشكل مختلف، قبل أن يحسم الصراع لصالح طرف، قد يكون هو نفسه لم يتوقع أن يحسم لصالحه.
فالأسباب التي تدعو أي مؤسسة لتعين هذا الشخص أو ذاك كمدير أو مسؤول، قد تكون مختلفة تماماً عن الأسباب التي يعتقد المتصارعون أنها هي السبب، فمصلحة العمل العليا تتطلب أحياناً تعيين شخص معين له من المواصفات والكفاءة والخبرة، غير تلك التي يعتقد أنها يجب أن تتوفر فيه، لذا فكثيراً ما نرى صراعات حسمت لصالح أشخاص نعتقد نحن أنهم غير مؤهلين، بينما يعتقد أرباب الأعمال والمسؤولين أنهم الأشخاص المناسبون وفي المكان المناسب.
العقلية الاجتماعية هذه على الرغم من وجودها في مجتمعات عديدة، فإنها تكتسب في مجتمعنا حجماً وطابعاً مغايراً، فنتيجة لاعتبارات ديموغرافية واجتماعية وتقليدية، وأخرى اقتصادية نرى هذه الظاهرة تحدث ولكن إفرازاتها وردة فعل الناس مختلفة. فمثلًا، نرى أحياناً هذا الصراع يحسم لصالح امرأة على الرغم من وجود عدد كبير من الرجال الطموحين في تلك المؤسسة، واحياناً تحسم لصالح وافد على الرغم من وجود المواطن، وأحيانا بتعيين موظف شاب مع وجود آخر ذي خبرة طويلة في العمل في المؤسسة.
هذا كله محتمل ونراه يحدث أمامنا، وله مبرراته ومسوغاته، فطبيعة العمل والمصلحة العامة تتطلب أن يحسم التنافس على الكرسي بهذه الطريقة، رغم عدم رضا بعض الأطراف، ولكن هل تتغير العقلية الاجتماعية، وهل يتغير أولئك الناس الطامحين أو الطامعين؟ بالطبع لا، فالعقلية الاجتماعية التي جبلت على مواصفات وقيم معينة، لا يمكن أن تتغير بين ليلة وضحاها، كذلك طباع البشر الذين جبلوا على حب الشهرة والنفوذ والمال، وهي كلها مرتبطة بالمناصب والكراسي، فالذي يمكن أن يتغير هو الكرسي ومن يأتي ليجلس فوقه.