تماماً، مثلما قال عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في حفل تكريمه، شهادتنا في هذا الرجل مجروحة، نحن الذين عرفنا خلفان الرومي عن قرب وعملنا معه، وحتى أولئك الذين عرفوه عن بعد أو سمعوا عنه، لأن الجميع يتفق على نبل أخلاقه وحسه الإنساني العالي، مثلما يتفقون على كفاءته وإدارته لدفة العمل بمهارة في كل الوظائف التي عمل بها، وكل المناصب التي تقلدها، عبر مسيرة عمله الطويلة وحتى اليوم، بعد أن خرج من الوظيفة الحكومية، لكنه ظل متقد النشاط، غزير العطاء، لم يركن إلى الظل مثلما يحدث مع الكثيرين غيره ممن تنحسر عنهم الأضواء ويقبعون في زوايا النسيان بعد أن يغادروا الكراسي، وتذهب عنهم الهالة التي يضفيها عليهم المنصب.
هذا هو خلفان الرومي الذي لم يستطع المرض أن يهزمه، وعاد من رحلة علاجه التي كادت تقترب من العام أكثر حيوية وتفاؤلاً وإقبالاً على الحياة، فكانت لفتة كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وإن لم تكن غريبة عليه، عندما حضر الحفل الذي أقامه المكتب الإعلامي لحكومة دبي الأسبوع الماضي، ودعا إليه جمعاً من أصحاب الفكر والقلم، احتفاءً بعودته سالماً معافى من رحلة علاجه بالخارج، وتقديراً لعطاءاته وجهوده الوطنية المخلصة، ودوره في بناء دولة الإمارات العربية المتحدة الحديثة.
ثمة أناس يعبرون الذاكرة دون أن يتركوا عليها أثراً أو بصمة، وثمة أناس يقيمون فيها فلا يغادرونها أبداً مهما تقادم الزمن. خلفان الرومي واحد من هؤلاء الذين يحجزون لهم في الذاكرة مكاناً حتى لو كان مرورهم بها قصيراً. أذكر أنني رأيته للمرة الأولى في بداية السبعينات عندما كنت طالباً في المرحلة المتوسطة، وكانت الدراسة وقتها تقسم بالتساوي إلى ابتدائية ومتوسطة وثانوية.
كنت ضمن فريق يمثل مدرستي في برنامج مسابقات بين المدارس ينتجه "تلفزيون الإمارات العربية من دبي القنال 2" الذي كان يبث باللونين الأبيض والأسود، وكان خلفان الرومي ضمن لجنة تحكيم البرنامج، وحدث أن اعتبر إجابتنا عن أحد أسئلة مادة الاجتماعيات خاطئة، فأثار هذا القرار غضب زميلي الجالس بجواري، وهمس لي معبراً عن عدم اقتناعه بقرار لجنة التحكيم، معتقداً أن أحداً لم يلحظ تصرفه هذا، لكننا فوجئنا بعد انتهاء التسجيل بخلفان الرومي ينتحى بنا، أنا وزميلي، جانباً ليشرح لنا الخطأ الذي ارتكبناه، في أبوة الأستاذ الحاني، الأمر الذي أشعرنا بالخجل، ودفعنا للاعتذار له.
موقف عابر، أنا واثق من أن "أبا فيصل" لا يتذكره، لكنه ظل عالقاً بذاكرتي حتى الآن، لأنه جسد لي العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، رغم أنه لم يكن مدرساً في مدرستنا، ولم يكن مطالباً وقتها بتبرير القرار الذي اعترض عليه زميلي. منذ ذلك الحين رسم خلفان الرومي في ذهني صورة للإنسان القدوة، وظلت هذه الصورة تكبر في كل المراحل التي كنا نكبر معها، ونرى خلفان الرومي يتقلد خلالها مناصب عدة في الدولة، فينتقل من موقع وكيل وزارة التربية والتعليم إلى موقع وزير الصحة، ثم موقع وزير العمل والشؤون الاجتماعية، إلى أن أسندت إليه حقيبة وزارة الإعلام والثقافة في أوائل التسعينات، وكنت وقتها مديراً عاماً لتلفزيون الإمارات العربية المتحدة من أبوظبي، لأقترب أكثر من "أبي فيصل" الوزير الإنسان الذي يعرفه حق المعرفة كل من عمل تحت قيادته، حتى غادر الوزارة في منتصف التسعينات، بعد أن ترك بصمات واضحة على مسيرة الإعلام والثقافة في الإمارات، وترك في نفوسنا، نحن العاملين معه وتحت قيادته، أبلغ الأثر والاحترام والتقدير.
جرت العادة عندما يأتي وزير جديد على رأس أي وزارة أن تشعر قيادات الوزارة القديمة بالخوف والقلق، لأن كل وزير جديد عادة ما يأتي معه بفريقه أو "شلته" حسب التعبير المتعارف عليه، لكن "أبا فيصل" كان وزيراً مختلفاً، بدد هذا الخوف وأزال القلق منذ أول اجتماع عقده مع قيادات الوزارة. كان يقول لنا إنه ضيف على الوزارة، جديد على المجال، لذلك سوف يتعلم من الجميع، راجياً ألا يضنوا عليه بالمعرفة لأنهم أصحاب اختصاص، فكان تصرفاً ذكياً وموقفاً رائعاً من رجل تدرج في العمل حتى وصل هذا المنصب الرفيع، فاستغل خبرته في إدارة دفة العمل بذكاء وحكمة ودراية أكسبته حب الجميع، وكانت مرحلة من أزهى مراحل العمل في الوزارة، شعر كل مدير خلالها أنه وزير في إدارته، يتمتع بكل الصلاحيات التي تتطلبها وظيفته، ولا يرجع إلى الوزير إلا في السياسات العليا التي تقتضي الضرورة الرجوع إليه فيها.
مواقف كثيرة يعجز القلم عن حصرها، لكنها مخزونة في ذاكرة كل من عمل مع خلفان الرومي عن قرب، أو تعامل معه، أو سمع عنه. لذلك فإن تكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم له، الأسبوع الماضي، إنما هو تكريم لكل الكفاءات الوطنية المعطاءة، كما أنه تكريس لمبدأ القدوة الذي دائماً ما يعمل سموه على زرعه في نفوس أبناء الإمارات، لاسيما الجيل الجديد الذي لم يشهد مرحلة التأسيس التي كان خلفان الرومي واحداً من روادها وفرسانها ونجومها الذين لن ينطفئ ضوؤهم أبداً.
عذراً أبا فيصل إذا كنت لم أستطع أن أفيك حقك في هذه الكلمات القليلة، فقامتك أكبر من أن يحيط بها مقال، وقدرك في نفوس محبيك والناس جميعاً بقدر محبتك لهم، وإنسانيتك التي لا تحدها حدود.