رجل بقدر ووطنية وتفكير ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي،رعاه الله، هو الذي يتخذ قراراً حكيماً من نوعية تخصيص الثالث من نوفمبر، ذكرى مباشرة صاحب السمو رئيس الدولة سلطاته الدستورية، يوماً لعلم الاتحاد، تجتمع فيه أفئدة أبناء الإمارات لتتشكل، بمحبة يندر وصفها، نسيجاً متجدداً لعلم الدولة التي نحبها.
ولا شك في أن رجلًا له ما لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من نظرة ثاقبة للأمور، يدرك أن العلم في ضمائر الشعوب الحية يتجاوز الرمزية الدستورية، إلى التعبير عن الوحدة الوطنية والتكاتف خلف قيادة موحدة، لبناء دولة واحدة، لشعب واحد، ينهل من تراث عريق وتاريخ عبق من مقولة صفي الدين الحلي الخالدة:
بيضٌ صنائعنا سودٌ وقائعنا
خضرٌ مرابعنا حمرٌ مواضينا
فالعلم هو التعبير اليومي الذي يقف أمامه كل مواطن، ليجدد من خلاله ولاءه لهذه الدولة وقادتها وعرفانه لما منحته، بفضل الله من عز وسؤدد وأمن وأمان ورقي وتحضر.
قد لا تكون مناسبة يوم العلم مناسبة ملائمة للتعبير عن العواطف الجياشة، خاصة أن الأوطان تبنى بالأعمال لا بالعواطف، لكن علينا دائماً أن نتذكر أن رمزية العلم في يوم العلم، إنما هي تعبير عملي عن تلك الصلة العميقة التي تمتد بين شرايين قلوبنا، وخيوط علمنا ورمل ديرتنا، ومياه خليجنا ونظرات الأمل في عيون شيوخنا، وخفقات قلوب أطفالنا، وعرق جنودنا المرابطين في مراكزهم..
وإخلاص أبنائنا في مواقعهم الوظيفية كافة، العلم خريطة كنز سرية لا يجيد اكتشافها إلا آباؤنا الذين يملأ أعينهم الحنين، كلما ذكر اسم زايد أو راشد أو أي من إخوانهما من الآباء المؤسسين، وأمهاتنا اللواتي صبرن على ضنك العيش، ليزرعن في نفوسنا اليوم أن هذا الوطن حفظنا في فقره، قبل أن يحفظنا في غناه، وعلينا اليوم أن نرد له، ولو قليلًا، من هذا الجميل!
وهو العلم الذي سنورثه لأبنائنا، بإذن الله، علامة عز ورفعة ومنعة، مرفوعاً على الهامات، مزروعاً في القلوب لا يمس ولا يدنس، دليلًا لسلامة وطن نفديه بالغالي والرخيص، ونحفظه بالمهج والأرواح، أفراداً وشعباً تنبض عروقنا بدم باركه الله بعطر هذه الأرض وخيرها وأصالة أهلها؛ أمامنا شيوخنا، قادة الخير الذين حبانا إياهم المولى القدير نعمة، تتكامل مع نعمة الوطن، الإمارات، وحولنا أهلنا وإخواننا أبناء الخليج، ومعنا ومن خلفنا أشقاء عروبة ومقيمون، مخلصون يردون الجميل لوطن، فتح ذراعيه للجميع.
أما بعد: ففي الوقت الذي نحتفل فيه بيوم العلم، أود أن أدعو إخواني المواطنين في كافة أنحاء الدولة وفي مختلف مواقع العطاء والعمل إلى ترسيخ فكرة يوم العلم في أذهان أبنائهم، وإلى تطوير أفكار عائلية لإحياء يوم العلم كل سنة، ليمثل خطوة مرحلية أولى لدى الأجيال القادمة للمحافظة على الأمانة وإدراك قيمتها.
كما أدعو مؤسساتنا وإداراتنا المختلفة إلى التخطيط المسبق لهذه المناسبة الوطنية الجليلة، ضمن إطار يشرك جميع العاملين في تعزيز معاني العلم، ورمزيته الوطنية السامقة، وأخص بالدعوة هنا مؤسساتنا التعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات.
وهي مناسبة أدعو من خلالها إلى تثقيف الكافة بتقاليد وأسس التعامل السليم مع علم الدولة ورمز اتحادها، فمثلًا هل يعلم الذين لا يبالون إذا رفع العلم بشكل صحيح عمودياً أم لا، هل يعلمون أن رفع العلم مقلوباً عمودياً معناه في العرف العسكري إعلان الهزيمة والاستسلام أمام العدو، وهل يعلمون أن رفع علم بالٍ أو مهترئ يصنف في كثير من الدول بأنه من أبواب الإساءة البليغة للعلم الوطني، التي يعاقب عليها القانون الإماراتي بالسجن والغرامة، بل إن بعض الدول تضع قواعد قانونية خاصة..
وملزمة لطريقة التخلص من العلم التالف. لذلك لا يجوز التساهل في مثل هذه المسائل خاصة فيما يتعلق بالأعلام التي ترفع على المؤسسات الرسمية أو في مكاتب شاغلي المناصب الرسمية، لأن الموضوع هنا يتجاوز البروتوكولات والشكليات إلى عمق الاعتزاز بالعلم، كرمز للاستقلال التام والسيادة الوطنية والاتحاد الناجز.
وهذه فرصة ندعو فيها إلى إصدار نسخة محدثة من لائحة قواعد رفع علم الدولة، التي صدرت بقرار مجلس الوزراء الموقر رقم 5 بتاريخ 14 مارس 1996، بحيث تتضمن تفصيلات أوسع فيما يتعلق بالتعبير الواجب عن احترام العلم والتشدد في حالات الإساءة، إضافة لمعالجة موضوعات تطبيقية مختلفة مثل استخدام العلم في طباعة الملابس والمنتجات والإعلانات التجارية..
وغير ذلك من سلوكات تعتبر في كثير من الدول من أبواب الإساءة للعلم الوطني. لقد عالجت تلك اللائحة الاستخدامات البروتوكولية للعلم، ونحن هنا ندعو إلى توسيعها لتعالج الاستخدامات اليومية، سواء رسمياً أو شعبياً، كما في حالة الأسس التي تحكم تقديم العلم كهدية تكريمية أو رفعه على السيارات الخاصة، بما يليق بمكانة علم دولتنا الحبيبة ورمزيته التي لا تنازع.