لم يكن متوقعاً أن يتردد صدى تلك الصفعة في أرجاء الوطن العربي. ولو كانت تلك الشرطية تعلم أن صفعتها للبوعزيزي سوف تسقط جنرالات وتشق جيوشاً لما فعلتها. فكيف لو علمت أن خطوط كفها كانت تتنبأ بقصر العمر لأنظمة عربية مزمنة وأخاديد تقسيم لدول عربية كفرت بوحدة أمتها ورفعت كل منها شعار أنها هي «أولاً» كشعار نقيض للوحدة العربية، فما عاد لها أول ولا آخر؟! وبقدرة قادر ومخطط لما يجري الآن، تحول مطلب «الوحدة العربية» إلى استجداء «الوحدة الوطنية» داخل البلد الواحد!

ونحن نشهد تقسيم ليبيا الضمني بإعلان إقليم برقة هذا الانفصال الخجول عن ليببا الأم، نتذكر ما حذرنا منه في بدايات ما سمي «الربيع العربي» حين كتبنا أن ما يجري عبارة عن «سايكس بيكو» جديدة، بخطوط عرض وطول لتقسيم المقسم وتفتيت ما لم يتفتت منذ نحو ثمانين سنة.

ولم يكن إدراك ذلك يحتاج إلى ذكاء سياسي بل إلى بعد نظر باتجاهين أحدهما في الذاكرة والآخر رؤية السكين التي تقسم واليد التي توزع الحلوى، من غير السكين الاستعمارية القديمة ذاتها، ومن غير اليد الصهيونية ومشروعها، يد تخطط وتوزع وتتحلّى.

بعد مشهد الانتقام الفظيع من القذافي، جرى احتفال بالانتصار في وسط طرابلس بحضور قادة بريطانيا وفرنسا وأميركا، وقد ظن المهووسون بالثورة أنه احتفال بتحرير ليبيا من جيوش القذافي وبوارجه وطائراته التي احتلت ليبيا قبل واحد وأربعين عاماً، لكأن القذافي كان سيستمر حكمه سنة واحدة لولا أن وجوده كان يخدم المصالح الاستعمارية، أو أن نفط ليبيا لم يكن خطاً أحمر غربياً ممنوع على القذافي أن يقترب منه. وليلعب بما شاء من الألوان وخاصة الأخضر متعدد الاستخدامات: الكتاب، الساحات، الشعارات، العباءات إلخ..إلخ!

لقد كان احتفالاً بالانتصار للسكين ذاتها وللأيام السوداء في تاريخ بلد عمر المختار.

برقة أعلنت تشكيل حكومة من 24 وزيراً لتدير شؤون الإقليم الذي يستحوذ على أكبر مصادر النفط في ليبيا، بمعزل عن الحكومة في طرابلس، ما اعتبره سياسيون ليبيون عملاً استفزازياً خطيراً.

 

انفصال أم انعزال؟؟

حسب القيادات السياسية في الإقليم تستمد الحكومة شرعيتها من أعيان القبائل ودستور عام 1951 الصادر إبان حكم ملك ليبيا الراحل إدريس السنوسي. لكن وفي أول رد فعل رسمي، تساءل عضو المؤتمر الوطني العام عن مدينة بنغازي إبراهيم صهد، عن شعبية الحكومة الجديدة في برقة، وعما إذا كانت أغلبية السكان تقبلها.

صهد الذي بدا مشككاً في إمكانية اعتراف المؤتمر الوطني والعالم بالحكومة، رأى أن قرارات «الفدراليين» تشير إلى خلل في الطرح، لأنهم لم يستشيروا سكان الإقليم، حسب تعبيره. بدوره، توقع الأمين العام لحزب الجبهة الوطنية عبدالله الرفادي فشل الإعلان الذي اعتبره منزلقاً خطيراً وانفصالاً، مؤكداً أن الطرح الفدرالي يجب أن يظل في إطار الدولة الواحدة والدستور.

وشن عضو حزب التوافق الوطني يونس فنوش هجوماً على إعلان برقة واعتبره خطوة متسرعة ومحاولة فاشلة، قائلاً إنه ليس من حق الفدراليين فرض شرعية القوة. وحسب فنوش فإن الكيان الجديد يفتقد للأرض والشعب، وخاطب مَن قال إنهم «مئات من الآلاف يحتلون الموانئ النفطية» قائلاً: برقة ليست لكم.

لكن يبدو أن ليبيا لم تعد لليبيين. كما لم يعد العراق للعراقيين بل لفئة وصلت إلى الحكم على متن دبابات الاحتلال، كما يراد لسوريا ألا تكون للسوريين ومصر ليست للمصريين.

إنه مخطط التقسيم ولن يتوقف ما لم يدرك العرب ما يخطط لهم وأن لا دولة بعيدة عن الحريق.