إن بناء جسور من الثقة بين وسائل الإعلام وبين الجماهير لا يكون هكذا بين يوم وليلة ولكن عبر ممارسات فعلية يلمسها الجمهور يوماً بعد يوم، كالتاجر الذي خبر الناس حسن بضاعته بعد تجربتها مرة ومرة، وبعد التأكد من جودتها أصبح الناس يشترون بضاعته دون التقصي كثيراً عن المنافسين وعن الأسعار عند الآخرين، وكما يبيع التاجر سلعته فإن الإعلام كذلك يبيع أفكاراً، وإذا لم يكن صادقاً فيما يبيعه من فكر، فأولى بالقارئ والمشاهد ألا يشترى منه.
والمصداقية هي التي تعطي الشرعية المجتمعية للوسيلة، وهي التي تجعل الإعلامي وكيلاً عن الناس حينما يحترم عقله وفكره ويقدم له مادة إعلامية لا يتشكك في محتواها ويأخذها كمسلمة، وهي قيمة كبيرة تضمن الحياة للوسيلة على المدى الطويل، وتجعل جمهورها قريباً منها، ويغفر لها الهنات عند حدوثها.
إن الجمهور هو الذي يضفي على الوسائل الإعلامية حياة وقيمة، شأنها في ذلك شأن الأشخاص عندما ينظرون إليها لا كمؤسسات ولكن كمواطنين صالحين يفيدون المجتمع عبر إشاعة الحقيقة بين الناس ونشر المعرفة وتنوير العقول والترويح عن النفس.
ولأننا نعيش في عصر اختلف عما سبقه، من حيث عدد وسائل الإعلام المتاحة من مقروءة ومسموعة ومرئية وفضاء محموم برسائل يصعب حصرها، مما انعكس بدوره على حرص كل وسيلة إعلامية على جذب الجمهور إليها لاعتبارات سياسية تارة وتجارية تارة أخرى.
ولأن كثيراً من المواد الإعلامية، وبخاصة في المجال الإخباري، أسرع مادة تتعرض للتلف فقط عندما ينشرها أحد قبلك ولو بثواني مما أشعل المنافسة بين الوسائل الإعلامية على الساحة للتميز عبر السبق الخبري؛ وما يسمى اصطلاحاً "الحصرية"، وهو ما يجعل الجمهور يرتبط بها دائماً. ورغم أهمية السبق في حالة التنافس القائم إلا أن المشكلة تأتي حين يكون السبق محفوفاً بمخاطرة عدم التيقن من مصداقية الخبر أو المادة المذاعة أياً كانت، وبخاصة أن الكلمة مثل الرصاصة إذا أطلقت من المستحيل إعادتها مرة أخرى، بل إن تأثير الكلمة أقوى من الرصاصة التي لا يتعدى أثرها مكاناً محدوداً، غير أن الكلمة المذاعة أو المكتوبة تدور حول العالم مرات عدة في دقائق معدودة ويمتد أثرها.
لذلك فإن وسيلة الإعلام، التي تحترم جمهورها وتدرك مسؤولية الكلمة وأمانتها، لابد إذا تعارض السبق مع المصداقية أن تغلب التأكد من المصداقية وإن ضحت بالسبق، لأن عدم المصداقية ينال من هيبة الوسيلة على المدى الطويل، ولا يعفيها من ذلك أن تعتذر عن النشر أو أن تسحبه حتى وإن نسبته إلى المصدر، لأنها حين ذاك تكون قد ساعدت في نشر أكاذيب نالت من آخرين وأثرت عليهم، مما يجعل الجمهور ذاته يعزف عن متابعتها، وهنا تكثر التأويلات التي تنتج في الأخير بحراً هادراً من الشائعات التي أوجدتها الوسيلة نفسها، فعندما تغيب المعلومة الصادقة تصبح البيئة خصبة للشائعة والتضليل.
كما أن الولع بين وسائل الإعلام والرغبة في السبق جعل وسائل الإعلام تبحث عن الجديد، لا كل يوم بل كل ساعة، ولا ضير في ذلك، ولكن المشكلة تأتي من أنها ما تلبث أن تمدنا بخبر جديد حتى تبحث عن خبر آخر دون أن تستكمل القصة الخبرية السابقة.
وفي ظل المواجهة القائمة بين وسائل الإعلام التقليدية وبين وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أخرجت الأخبار من احتكار المؤسسة الإعلامية الرسمية وأصبح هناك المواطن الصحافي، غير أن ما سيحسم المنافسة لصالح وسائل الإعلام المؤسسية هو المصداقية وبخاصة أن هناك صعوبة في التأكد من مصداقية مضمون وسائل التواصل الاجتماعي ومصادرها. والمصداقية تتعدى في تقديري مدى صدق أو كذب المعلومة المقدمة ولكن التحايل عليها من خلال شكل التقديم وطريقة المعالجة، وتتمثل كذلك في أهمية أن لا تسير وسائل الإعلام وراء الشارع وتستغل مشاعر الجماهير لتحقيق شعبية غير حقيقية تزول مع بزوغ أول شعاع للحقيقة.
من هنا فإنه مع أهمية وجود وسائل الإعلام الخاصة التي يمتلكها أفراد إلا أن الضمانة للأداء القويم لأدائها هو استمرار وجود إعلام الدولة أو الإعلام الحكومي، الذي يرتقي بأدائه بعيداً عن المصالح الفردية أو المكاسب الذاتية التي قد تضر بالصالح العام، وبخاصة أن التنوع في وسائل الإعلام، في أكثر الدول ديمقراطية، أصبح غير موجود بسبب الاحتكارات الضخمة، وأصبح إعلام الصوت الواحد هو الغالب على الرغم من الكثرة العددية في الوسائل الإعلامية المتاحة.
كما أن مصداقية وسائل الإعلام تتمثل في القيم الحاكمة لأسلوب عملها، فلا ينبغي فقط أن يكون شغلها الشاغل هو تقديم المثير وغير المألوف، فقد يكون الخبر المثير غير مهم، وهناك مواد إعلامية مهمة ولكنها غير مثيرة، وهنا تأتي أهمية المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام. ومع أهمية أن تكون وسائل الإعلام لها دور في كشف جوانب الخلل في المجتمع إلا أنه لا ينبغي أن تعيش فقط على هموم وآلام الناس؛ فكما أن نشر حريق مصنع، نتيجة لخلل في أحكام السلامة والأمن أمر مهم لمحاسبة المقصر، إلا أن بناء مستشفى لعلاج المرضى وتطبيب أوجاعهم خبر يهم قطاعاً كبيراً من الناس، وإلا فإنه ستسود في المجتمع روح تشاؤمية لا ترى ولا تسمع إلا المنغصات، وهو ما يحدث حالة من الإحباط بين الناس.
إنني لا أدعو أن تقوم وسائل الإعلام بدور العلاقات العامة ولكن أن تحافظ على التوازن في العرض بعيداً عن النظر للقضايا من منظور واحد، وهذا من متطلبات المصداقية.
في حوار دار بيني وبين أحد كبار الإعلاميين في دولة عربية أنكر عليّ مطالبتي إياه بالتوازن في عرض القضايا والتأكيد على أهمية المصداقية فيما يذاع، فإذا به يقول: هذه مدرسة قديمة تجاوزتها طبيعة العصر وسرعة الأحداث والممارسات التي ينبغي أن تحقق الهدف من صناعة ينفق عليها الملايين لتحقيق أهداف وسياسات محددة. ورغم أنه ضرب عشرات الأمثلة للتأكيد على صحة رأيه! إلا أنني بادرته قائلاً: أبشر فلن يكتب لوسائل الإعلام التي تنتهج تلك السياسة العيش وستختفي، لأنك تستطيع خداع بعض الناس لبعض الوقت ولكن لن تستطيع خداع كل الناس طوال الوقت، وسيكون البقاء دائماً للأصدق.