يعتقد الناس عادة أن تنشئتهم تتم عبر والدين اثنين هما: أم وأب. لكن في حالتي فإن الشخص الذي رباني وعلمني الألعاب التي يجب أن ألعبها، والكتب التي يجب أن أقرأها، وعن سلوكي في حياتي، هو أمي. والسبب في ذلك هو أن والدتي كانت ذات اهتمامات أوسع من أبي، الذي غالباً ما كان يكرس نفسه للأعمال التي تؤمن الحياة، فضلاً عن حل المشكلات التي تطرحها الحياة يومياً.
وعلى الرغم من أن أبي أصبح كولونيلا كاملا في الجيش، وظل ينعم بهذا اللقب طوال حياته - الا أنه في عيني والدتي، كان والدها الذي خدم طوال حياته كولونيلا في مدفعية الخيالة، يمثل الطريقة التي يجب أن يكون عليها الرجل في حياته. كان الرجل الوحيد المهتم بالعمل في ذلك المجال من بين زملائه، وهو بالطبع احد أكثر الأقسام تطلباً في الجيش البريطاني.
منذ نعومة أظافري ربتني والدتي على اعتبار اني ابن مسؤول مخضرم في الجيش البريطاني. وهذا عنى بالضرورة أني إسبارطي فيما يتعلق بطريقة حياتي والترقيات المتصاعدة التي تكون جزءاً من تلك الحياة.
لذلك كنت خشناً من وقت مبكر في حياتي، ففتح مجال للدموع مهما كانت الظروف لم تكن الطريقة التي يتوجب على ابن مسؤول في الجيش التعامل بها. فقد علمت أن الدموع حق للفتيات والنساء.
وذلك مهما بلغت معاناتي من الجراح - سواء في حال سقوطي من على الدراجة أو حتى من لدغة عقرب (والتي لم تكن غير محتملة الحدوث بالنسبة لشخص عاش مراحل حياته الأولى في مكان كالسودان).
وبناء على هذه التجربة المريرة، عُلمت على سبيل المثال لدى انتعالي لحذائي في الصباح أن أقلبه رأساً على عقب، وذلك في حال كان عقرب اختار قضاء ليلته في إحدى فردات حذائي. ولهذا اليوم، وحتى في الأماكن التي تخلو من العقارب، فإنني أقلب حذائي، وأهزه قبل انتعاله.
إن الترعرع في المناطق الاستوائية - كما امضيت طفولتي المبكرة في شمالي السودان وسنواتي التي بعدها في اوغندا وكينيا- يتخلله مخاطر عديدة يومياً تواجه طفلاً يحيا هناك، مقارنة بآخر يحيا في بريطانيا.
فأنا أتذكر بقوة كيف أن "الجاغرز" وهي حشرات صغيرة، كانت تنفذ بطريقة ما الى أصابع القدم وتبني بيتاً لها هناك، وتتكاثر. وكانت هذه الحشرات تُزال بالإبرة. أتذكر إعدادي للمحنة - التي كانت تجرى قبل الإفطار على يد أحد الخدم المختصين في ذلك.
أمي كانت تُحضر الإبرة التي كانت تعقمها بالتسخين. ليأخذها الخادم بعد ذلك ويحقنها في المكان الذي اتخذته الحشرات بيتا لها. لم تكن لدي الجرأة لمشاهدة الخادم وهو يجري العملية، ولكن بعد دقائق فقط من ثقب الجلد بالإبرة، كان الخادم يأخذها ويريها بنشوة المنتصر لأمي، وعلى رأسها بيت حي لتلك الحشرات. ومن ثم كان الجرح الصغير المُحدث يغلف بقطعة قماش، ليُكافأ الخادم بعدها،..
وأُعطى أنا قطعة كبيرة من الشوكولا تقديراً للشجاعة التي أظهرتها. وكان كل فرد في المنزل يتم إبلاغه بأني أجريت هذه العملية، وعليه أعامل لبقية اليوم كبطل. لم أعلم بالضبط كيف لهذه الحشرات أن تتسلل الى أصابع أقدامي، لذلك لم اعلم كيف اتجنب وقوع ذلك مرة اخرى.( الأمر الذي كان يتكرر كل 6 أشهر أو نحوه).
وكانت هناك تجربة مريرة أخرى اعتدت المرور بها مرات عديدة، هي لدى سقوطي من الدراجة، على سبيل المثال، وإصابتي بجرح يستحق العلاج. فالعلاج الذي كان يوصف ويعد من قبل أمي كان مرهما يسمى "بيتس"، وكان يأخذ شكل قطعة من مادة بنية وجب تسخينها على الشمعة بحيث تفرش طبقة منها على قطعة قماش أخرى، لتوضع بعدها بشكل فوري على الجرح، الذي كان يؤلمني لثوانٍ عديدة.
وقد أدركت أن هذا العلاج كان ضرورياً في بلدان مثل اوغندا، التي كان أي حادث سقوط فيها يؤدي الى الاصابة بالجروح أمرا يستدعي العلاج الفوري، حيث لم يكن هناك مجال للشك في احتوائها الكثير من الميكروبات، وبالتالي فإنها تسبب الالتهابات.
تعلمت أن الدموع كانت تسفح من قبل المسنين أو الأطفال، الذين لم يتربوا جيداً. وعلى الرغم من ذلك فقد أخبرتني أمي لاحقاً، أنه في ذات يوم عندما ذهبت الى مكان دراسة والدها، وجدته جالساً على مكتبه وغارقاً بالدموع. وشعر جدي بالضيق الشديد لتأثير ذلك عليها، فقام فوراً وعانقها موضحاً لها أن هناك أوقاتاً يبكي فيها الرجال - "فقط عندما تتوفى امهاتهم "، وكانت هذه الواقعة التي يمر بها.
أرى في هذا المقال أني كتبت عن التجارب الحزينة في حياة الطفل والتي يمكن للأم المشاركة فيها. ولعلي في مقال مقبل أتناول جانباً مشرقاً أكثر في حياة طفل تلعب الأم دوراً فيه.