منذ أيام قليلة، اتهم رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، صحيفة الغارديان بأنها تؤذي الأمن القومي البريطاني وشجع البرلمان على فتح تحقيق معها. وقد بادرت بالفعل لجنة الشؤون الداخلية بالبرلمان، وهي من أقوى لجانه، بإخطار الغارديان بفتح التحقيق.

واتهام كاميرون لصحيفة الغارديان هو إحدى حلقات سلسلة طويلة من التدافعات التي نتجت عن نشر الوثائق السرية الخطيرة التي سربها الأميركي إدوارد سنودن الذي كان يعمل لدى هيئة الأمن القومي الأميركية. وهي الوثائق التي كشفت عن المدى الذي وصلت إليه الولايات المتحدة الأميركية في التجسس على العالم كله، فضلاً عن جمعها لقاعدة بيانات مذهلة في اتساعها، تضم معلومات مفصلة عن الملايين من المدنيين حول العالم بمن فيهم مواطنون أميركيون.

وقد كشفت الوثائق عن تورط المملكة المتحدة في تلك البرامج السرية من خلال هيئة "مقر الاتصالات الحكومية، النظير البريطاني لهيئة الأمن القومي الأميركية.

وسنودن الذي حصل بشكل مؤقت على حق اللجوء السياسي في روسيا، بعد أن جمع الوثائق وهرب من الولايات المتحدة، كان قد اتصل بالصحافي المعروف جلين جرينوولد وسلمه الوثائق. وبالفعل بدأت الغارديان، حيث يعمل جرينوولد، في نشر سلسلة من المقالات تنقل وتحلل ما تحتوي عليه تلك الوثائق. والنشر مثل إحراجاً كبيراً للحكومتين الأميركية والبريطانية فعبرت كل منهما عن غضبها عبر الكليشيه المعروف الذي تستخدمه كل حكومة افتضح أمرها.

فبدلاً من أن يكون المتهم هو تلك الحكومة التي انتهكت القانون، يصبح المصدر الذي كشف عن تجاوزاتها هو المتهم بدعوى أنه "يعرض الأمن القومي للبلاد للخطر". ففي الولايات المتحدة، قامت إدارة أوباما بملاحقة إدوارد سنودن بشكل سافر وصل إلى حد إجبار طائرة رئيس بوليفيا على الهبوط عنوة لمجرد الشك في أن سنودن على متنها، فيما مثل انتهاكاً ليس فقط للقانون الدولي وانما لكل الأعراف والبروتوكولات الدولية المتبعة في معاملة رؤساء الدول.

وحين منحت روسيا حق اللجوء السياسي لسنودن، قامت الدنيا ولم تقعد في أميركا وتوترت علاقة البلدين بشدة وفق الرواية الأميركية.

والأمر لم يكن أقل سوءاً في بريطانيا. فقد تم توقيف ديفيد ميراندا شريك الصحافي جرينوولد الذي يساعده في عمله بمطار هيثرو الدولي لمدة تسع ساعات وتم التحفظ على كل ما كان يحمله بدءاً من جهاز الكمبيوتر والكاميرا والهاتف.

والأمر لم يقف عن حد مضايقات تستهدف الصحافي جرينوولد وانما طال الجريدة نفسها. فموقف الحكومة البريطانية من صحيفة الغارديان لم يكن مجرد الهجوم عليها، وانما اتخذ شكل التهديد الصريح. فقد أوفدت الحكومة للجريدة مبعوثاً يمثل رئيس الوزراء طالبها بتسليم الوثائق التي حصلت عليها من سنودن وتحديداً تلك التي تفضح جهاز "مقر الاتصالات الحكومية"، المسؤول عن عمليات التجسس والمراقبة التابع للحكومة البريطانية، كما طالبها بالامتناع عن نشر المزيد عن الموضوع برمته.

وقد خيّر المبعوث الجريدة بين تسليم تلك الوثائق أو تدميرها، ونصحها بالانصياع للطلب بدلاً من أن ترفع الحكومة الأمر للقضاء مطالبة بوقف النشر كلية. وقد اختارت الجريدة أن تدمر الوثائق، وإن كانت قد أخطرت المبعوث صراحة بأن هناك نسخاً أخرى منها في نيويورك بل وفي البرازيل، حيث يعيش جرينوولد. واللافت للانتباه أن الحكومة حرصت على حضور من يمثلها ليشهد بنفسه تدمير الجريدة للوثائق.

لكن هذه الوقائع كلها كشفت عن مفارقة مهمة تنطوي على تباين فى مواقف الصحافة في البلدين. ففي الولايات المتحدة الأميركية، استمر نشر تلك الوثائق. فقامت الواشنطن بوست الأسبوع الماضى بنشر مقالين يقدمان مزيداً من المعلومات المخيفة، أولهما يشير لما أثبتته الوثائق من أن هيئة الأمن القومي الأميركية لعبت دوراً رئيسياً في دعم برنامج الاغتيالات بالطائرات بدون طيار، عبر تقديم بيانات دقيقة عن أشخاص يراد استهدافهم واغتيالهم.

أما المقال الثاني، فقد كشف عن أن الهيئة نفسها تجمع ملايين من قوائم الاتصالات التي يشكلها الأفراد داخل بريدهم الالكتروني للأفراد. فالهيئة لا تراقب فقط المراسلات وانما تنشئ قاعدة بيانات تضم لها قائمة كل من يراسلهم كل مستخدمي البريد الإلكتروني وهي عادة القائمة التي تحتوي على عناوين وهواتف هؤلاء، الأمر الذي استطاعت من خلاله أن تجمع ما يربو على 4.5 ملايين قائمة في عام واحد.

ولا تزال الصحف الأميركية الرئيسية تدير نقاشاً حول ما تكشف عن الوثائق. أما الصحف البريطانية، فقد اتخذت موقفاً مغايراً بشكل لافت للانتباه. فبعضها، مثل الإندبندت والميل وغيرهما، كان مهاجماً للغارديان ومنتقداً لإصرارها على نشر تلك الوثائق، بدعوى أن الصحافي لا يمكنه أن يحكم على مدى تأثير نشر أية وثائق على الأمن القومي. وهي حجة تستخدمها الحكومات لا الصحف، حيث عادة ما تكون الأخيرة في مقدمة المدافعين عن حرية المهنة واستقلال قرارها عن القرار الحكومي.

وبدلاً من أن تركز على الفضيحة نفسها وما تعنيه من انتهاك المؤسسات الاستخباراتية للقانون، راحت تلك الصحف تهاجم الغارديان والصحافي جلين جرينوولد الذي كان صاحب السبق في نشر تلك الوثائق. ولعل ذلك الجو العام وراء قرار جلين جرينوولد بترك موقعه في الغارديان بالكامل للانضمام لمشروع إعلامي جديد لم يفصح عن تفاصيله بعد.

باختصار تتركز الضغوط في الولايات المتحدة بقوة على من يسرب الوثائق، لا على الصحافي الذي ينشرها، بينما يعاني الصحافيون في بريطانيا من التضييق عليهم إذا ما تحملوا نشر وثائق مهمة تكشف انتهاك القانون. واستهداف الطرفين في أهم الديمقراطيات في العالم يُشكّل خطراً على حرية الصحافة واستقلالها ويجعل تحقيق الشفافية الحكومية أكثر صعوبة في كل مكان.