هي الأرض حين تغضب. الأرض العربية التي وعدوها بالربيع فجاءها الخريف بدعوى الديمقراطية وتجديد الدماء سالت الدماء كل حدب وصوب. رسموا للشعوب خرائط طريق وإذا بها خرائط تقسيم. من صدًق الكذبة انشق وقتل، ومن لم يصدقها قاتل والوطن قتل. من حمل السلاح بوجه أخيه ارتد عليه زمن ارتد عن الوطن لم يجد وطناً آخر يأوي إليه.

هذا زمن العربي اللاجئ في وطنه، ويسميه القانون الدولي نازحاً للتخفيف عنه، لكن التاريخ علمنا أن من نزح من مكان بيته تعرض للجوع والعطش والمذلة. ومن نزح خارج وطنه هو أيضاً تعرض لنفس "مكرمات الربيع العربي". لا فرق بين خيمة وخيمة ولا بين طفل يتضور جوعاً لرغيف مغمس بالهوان وبين رغيف منقوع بالخوف.

سوريا أرض الخصب والحب والياسمين جفت فيها الحياة وتشققت. وما عاد القمح الذي يكفيها شر صندوق النقد الدولي والفوائد المتراكمة يكفي وجبة في اليوم. تحولت من بلد كان يحقق الاكتفاء الذاتي إلى بلد يمارس الانتحار الذاتي. لم يعد باب الحارة يحكي الشام أيام المستعمر الفرنسي. المستعمر الآن سوري منشق والحاكم سوري مغلق عليه القصر.

وسلاح قابيل وهابيل من نفس المصدر، الفتنة أشد من القتل وهي سلاح القاتل والمقتول وما الضحية إلا سوريا وسنابل القمح التي أجهضها البارود والمتسللون عبر الوطن والحدود. لكن الحدود البرية لم تعد آمنة للهرب من المقصلة اليومية والقذائف العشوائية. فإما السير على الشوك في وديان الجنوب إلى اللا حياة وإما تسلق حبال الخوف في الشمال أو الزحف على الرمل إلى الشرق. ثمة جهة خامسة للهرب من الموت إلى الموت.

البحر أرض من ضاقت به الأرض. الهجرة خارج ما كان الوطن قبل أن يُقتل إلى أية دولة تقبل أن تكون وطناً لمن لا وطن له. فمن يصلها فهو آمن وفق قوانين الأمم المتحدة ولا يجوز رفضه تبعاً للقانون الإنساني.

لكن البحر غدار والقوارب التي تقل المهاجرين غير الشرعيين منهكة لكثرة ما نقلت. ما بين ألف وثلاثة آلاف دولار على الرأس ولا ضمانة من غضب الموج أو من جشع القراصنة. الأسابيع الماضية شهدت موجة نزوح من مخيم اليرموك قرب دمشق بسبب ما تعرض له من قذائف "الربيع " وطلقات الرصاص المغمى عليه.

فالمخيم اختطف من قبل "المجاهدين" والساعين لإقامة دولة الخلافة الإسلامية وإعادة مجد صلاح الدين، هو من دمشق حرر القدس وهم "يحررون" دمشق من عواصم الاستعمار القديم والحديث، لاجئو المخيم لا تقبلهم أية دولة "حفاظاً على حق العودة" حتى لو لم يكن ثمة عودة. وعليهم أن ينتظروا من يحرر فلسطين ويحقق العودة، عليهم أن ينتظروا حتى بعد مماتهم!

إذن هو البحر، المفتوح على حيفا ويافا وعكا وغزة. وربما تتذكرهم المرافئ المتوسطية فتضمهم بدفئها أو تشم رائحتهم أحفاد النوارس التي ولدت مثلهم خارج رحم الأبيض المتوسط فتدلهم على ماء آمن.

ركبوا البحر و"هيلا يا واسع مركبك طالع طلتك ليلة طلعتك هيلا ". لكن الأغنية لم تكتمل ولا اكتملت أغنية أخوتهم الهاربين السوريين في نفس المركب "عالروزنا عالروزنا كل البلا فيها شو عملت الروزنا الله يجازيها"، وفي ليلة واحدة ابتلع البحر أربعمئة من المهاجرين وما زال آخرون ينتظرون وما بدلوا مراكبهم ولا مخاوفهم فلا جهة خامسة سوى البحر ينفذون منها إلى مكان تحت الشمس من هذا الجحيم الذي يرفض أن يغلق! شواطئ إيطاليا وجهة اللاجئين الذين لا وجهة لهم.

لقد أنهك البحرية الإيطالية التوافد اليومي للقوارب المحملة بمن يسمونهم "المهاجرين غير الشرعيين" الذين يجازفون بحياتهم بخوض غمار البحر على أمل الوصول الى الشواطئ الأوروبية هرباً من الحروب والضائقة الاقتصادية في بلدانهم. بعد سلسلة حوادث انتشال مهاجرين من البحر، اضطرت البحرية الإيطالية إلى القيام بثلاث عمليات إنقاذ في ليلة واحدة، حيث انتشلت خلالها حوالي 400 مهاجر في قناة صقلية، وذلك غداة قرار روما تعزيز انتشارها العسكري والإنساني في البحر المتوسط.

معظم المهاجرين قادمون من سوريا وفلسطين ودول إفريقية، رحلاتهم تنطلق من السواحل الليبية، حيث ينشط مهربون ليبيون ومن جنسيات أخرى. ورصد خفر السواحل الإيطالي أيضاً، مجموعة من 18 شخصاً، تردد أن معظمهم مصريون، يتعاونون مع المهربين الذين ينظمون رحلات المهاجرين نحو الأراضي الإيطالية لقاء مبالغ مالية، كما استدعيت البحرية الايطالية، بعدما أنقذت سفينة تجارية زورقاً مطاطياً أقلّ ثمانين شخصاً في المياه الإقليمية الليبية.

وفي وجهة أخرى للهاربين من الجحيم انتشلت السلطات المصرية 12 جثة على الأقل إثر غرق مركب للمهاجرين قبالة سواحل الإسكندرية يضم عدداً من الأشخاص من جنسيات مختلفة". حيث "جرى إنقاذ 116 شخصاً بينهم 72 فلسطينياً و40 سورياً و4 مصريين".

مازالت الأرض تتشقق والربيع يصفَرّ والدماء العربية ترخص. ومازالت الأوصاف والتسميات تطلق على العرب، عرب الزمن الرديء.