تخيّل أنك تتضوّر جوعاً وساقتك الأقدار إلى فرعٍ لسلسلة مطاعم مكدونالدز، وسارعت بطلب وجبتهم الشهيرة "البيغ ماك" وإذا بموظف أخذ الطلبات يخبرك أنه لا يوجد خبز ولا لحم ولا طماطم ولا جبن ولا خس لكن توجد قطعة طازجة من البصل، وما أن تفغر فاك مندهشاً حتى ُيسارع بزفّ البشرى لك بأن جهاز الكاشير هو الأحدث من نوعه عالمياً.
وأنّ نوعية البلاط المستخدمة في المحل هي الأفضل والأكثر امتصاصاً للحرارة، وأن أدوات المطبخ وتجهيزاته متوافقة مع أفضل الاشتراطات الصحية العالمية وأنّهم حصلوا للتو على شهادة الآيزو ومشتقاتها، ثم يُتبِع ذلك بابتسامةِ خُيلاء!
لو حدث هذا في مكدونالدز أو غيرها من المؤسسات الربحية لتمت إقالة كل من يعمل بذلك الفرع، فالمطعم وجِد لتقديم منتجات غذائية لقطاعات مستهدفة من العملاء.
وبهذا يُحقق أرباحه التي تُبقي الابتسامة حيّةً على وجوه الملّاك والمساهمين والعاملين به، فالغاية واضحة وأساليب تحقيق تلك الغاية معروفة وكل ما يُتخذ من قرارات يصب في مسار تحقيق تلك الغاية، والعميل إنّما أتى من أجل خدمةٍ تُقدّم أو منتجٍ يباع ولم يترك منزله لكي يتفاخر عليه الموظف بنوعية الأدوات أو كمية الشهادات، فتلك أمورٌ تعنيهم هم ولا تعني العميل البتّة!
الوضع يختلف عندما يأتي الموضوع للمؤسسات العامة، وهنا لا بد من الإشادة بتلك المؤسسات التي لا تكل عن الإنتاجية المتفردة والتميز في نوعية خدماتها وكميتها وطرق تقديمها وهذه المؤسسات تتحدث منجزاتها عنها دون حاجة لتلميع صحافي بارد.
ولكن هناك مؤسسات يبدو أنها فقدت الذاكرة وأُصيبتْ بمرض الزهايمر فنسيت سبب نشوئها وتوارت عن بصيرة القائمين عليها رؤيتها ورسالتها الفعلية في المجتمع، وليس بغريب أن ترى جلجلة كبيرة في التصريحات ومدح الذات وفقراً مدقعاً في الخدمات التي تُقدمها والتي لن يُلغي قصورها تقريرٌ أو حملةٌ إعلانية تحاول طمس الحقائق.
تكون المؤسسة مصابة بالزهايمر عندما يكون العميل مجرد ضيفٍ ثقيل لا بد من التخلص منه إمّا بخنقه بلوائح بالية أو حرق صبره بمواعيد وتحويلات بين أقسامٍ عديدة وكأنه جلجامش في بحثه اليائس عن ينبوع الخلود، وتكون المؤسسة مصابة بالزهايمر عندما لا يرى من بها إلا نفسه ويظن أنّ المؤسسة قامت لكي تروّج نفسها وتروّجه قبلها لا لخدمة هدفٍ عامٍ معين وتلبية حاجات شريحة محددة من المجتمع المحلي.
وتكون المؤسسة مصابة بالزهايمر عندما تُفنَى الساعات وتذهب الجهود من أجل نيل شهادات وتلميعٍ لا خانة له من الإعراب بدلاً من أن يكون ذلك لتنويع الخدمات المقدمة ورفع جودتها وتجاوز توقعات العملاء.
وتكون المؤسسة مصابة بالزهايمر عندما تكثر المشكلات في نطاق عملها وتنمو بالتدريج ولا تشعر بأي محاولةٍ فعلية لحلّها وإنما يضيع الوقت بتبريرها أو البحث عن شماعةٍ أخرى أو تجاهلها على أمل أن ترجع عقارب الزمن للخلف وتختفي تلك المشكلات بنفسها!
عندما يخنق الجمود والخوف من مواكبة التغيير أنفاس الموهوبين فيبدأون بالهجرة تباعاً من مؤسسةٍ ما ولا يتبقَ إلا من يؤمنون بذات عقيدة الروتين وتقديس اللوائح ونسيان الغرض الذي أُنشئت من أجله المؤسسة والمهام التي يُدفع لهم راتبٌ مجزٍ لأدائها بكفاءة عالية فتأكد بأنّها مصابة بزهايمر المؤسسات، وتتأكد الحالة فيها عندما ينتقل الثقل من الإدارات الحيوية ذات العلاقة المباشرة بالعملاء .
و ما يُعرف بالـ Core Business إلى إدارات يُفترض أن تكون مساعدة فقط كالموارد البشرية والإدارة المالية والشؤون القانونية وبدلاً من أن يكون الهاجس عن نوعية الخدمات وتنوّعها ومدى رضا العميل عنها يُصبح الهاجس هو التأكد من توقيع جميع الموظفين لكشف الحضور في الساعة السابعة والنصف صباحاً وعن الوفر المالي الهزيل الذي تحقق حتى لو كان على حساب جودة ما يُقدّم للعميل!
لو كان هناك قياس للعائد على الإنفاق في هذه المؤسسات لكانت النتيجة مفجعة، فالميزانيات التي تمنحها الحكومة هائلة والتسهيلات كثيرة ودعم قيادات البلد العليا غير محدود والكفاءات الشابة متوفرة وبكثافة.
ولكن الإشكالية تأتي من خَلل بعض المستويات الإدارية وعدم قدرتها على مواكبة التغيير السريع والنمو المتزايد لاحتياجات شرائح المجتمع المحلي، فقصور القدرات وضبابية الرؤية ونسيان الهدف من وجود هذه المؤسسة وعدم عملية ودوام مراجعة الخطط الاستراتيجية هو ما يجعلها منشغلة بأمورٍ ليست ذات بال ومتناسية لحدٍ بعيد المهام التي يجب أن تؤديها.
في منحى ذي صلة، فقد أجرت مؤسسة BOLT الأميركية مسحاً لقطاعٍ واسع من مؤسسات الأعمال وانتهت إلى نتيجة مرعبة عن الخسائر التي تتحقق بسبب الوقت المضاع من الموظفين في أداء أعمالٍ هامشية غير مؤثرة، حيث تُقدّر خسائر الإنتاجية المضاعة بما يزيد على 134 مليار دولار سنوياً، ولم يكن الوقت المضاع برغبة الموظفين أنفسهم ولكنه كان في جزئيةٍ كبيرةٍ منه بسبب ذلك الزهايمر الذي يصيب الجالسين خلف المكاتب الفخمة.
فالمسح يُرجِع النسبة الكبرى لضياع الوقت المثمر إلى حضور اجتماعاتٍ طويلةٍ عديمةَ جدوى وكثرة التكليفات للمشاركة بلجانٍ لحل مشكلات عملٍ في إداراتٍ أخرى ومبالغة بعض المديرين في التجوال بين المكاتب ومقاطعة عمل الموظفين والتكرار الممل للخطب الإنشائية، يحدث هذا وبهذه القيمة التقديرية الضخمة رغم أنّ الأميركيين هم ثاني أكبر قوة عمل إنتاجيةً في العالم بعد النرويج.
فكم يا تُرى نخسر نحن بسبب تلك المؤسسات المشغولة بما لا يجب أن تنشغل به، وهل سنرى تأسيس جهةٍ تكون مسؤولةً عن تصويب خروج أي مؤسسةٍ عن مسارها وتقويمها قبل أن تُصاب بذلك الزهايمر، أم أننا سننتظر أن يقتنع عميل مكدونالدز الجائع بأكل قطعة البصل لأنها بنكهة شهادة الآيزو؟