حين يرسم ماض بعيد جداً معالم الحاضر لشعب ما، وتهيأ الأجواء لاصطفافات جماهيرية واسعة تكرس ما وقع في ذلك الماضي البعيد وتعيد صوره بطرائق لا تتفق مع ما جرى لإدامة طقوس البغضاء والفرقة، فذلك يستحق التوقف عنده. فالشعب الذي لا يزال يعيش في إرهاصات الماضي ويرسم الحاضر في ضوئها يستحق إقامة مجلس عزاء لتأبينه، فهو يعبد الطريق نحو بوابة الخروج من التأريخ.
جميع الشعوب من غير استثناء لها ماض حفل بوجود قيادات متميزة وأفكار متباينة وأحداث كبيرة وصراعات دموية، بعضها له ماض عريق حافل بالعطاء الحضاري والإنساني وبعضها الآخر ليس له ذلك. لكن المفكرين ورجال السياسة في معظم دول العالم لا يشكل هاجس الماضي وأحداثه دافعاً لبناء استراتيجياتهم في الحاضر ولا يقف عائقاً أمام متطلبات الحياة المعاصرة التي لا مفر من أنها تصطدم مع ذلك الماضي في أكثر من محور.
والحقيقة أن ثقافة شعب لم تعد تعني ممارسات الطقوس التي ترتبط بما ورثه من الماضي في مناسبات معينة بل في إبراز المعالم والمظاهر الحضارية لذلك الماضي التي لا تتعارض مع القيم التي تحملها ثقافة الحاضر في التقارب بين الشعوب وإبعاد شرارات الاحتكاك.
أفرزت التغيرات الخطيرة التي جرت وتجري في المنطقة العربية منذ عقد من الزمن ظواهر خطيرة متعددة كانت مخفية تحت جلابيب الأنظمة القمعية، ولكن أكثر هذه الظواهر خطورة هو ما يتعلق بالهوية التي ينتمي إليها المواطن. فقد بدا واضحاً أن هوية الانتماء الحقيقية ليس إلى بلده بل إلى ما هو أصغر من ذلك بكثير، إلى عرقه أو دينه أو طائفته أو منطقته أو قبيلته، فالاصطفافات الطائفية أحد أبرز مظاهر المرحلة الجديدة.
وإذا كانت هذه الظاهرة تدل على شيء فهي تدل قبل كل شيء على مدى فشل الأنظمة القمعية في صناعة هوية وطنية واحدة من جهة وفشل المواطن نفسه في انتمائه لبلده من جهة أخرى، ونقصد هنا بالانتماء إلى البلد هو الانتماء إلى المجتمع. فمن المعلوم أن الكثير مما يتعلق بالأعراق والأديان والطوائف وما له صلة بالصراعات التي جرت بينها في الماضي .
وعن الفرقة بينها وأسباب هذه الفرقة لا يتم تدريسه في المدارس، فالمؤسسة التربوية الرسمية غير مسؤولة عن حمل الضغائن عبر الزمن إلا أن المواطن يكتسب هذه المعارف منذ طفولته في بيته ومن قبل أولياء أمره بعد أن تعرضت إلى الكثير من التحريف عن وقائع الماضي ولم يخلو بعض مفاصلها من الحذف والإضافة.
فبالقدر الذي يوفر الاصطفاف الطائفي قوة تحرك سياسي للطائفة إلا أنه تحرك خاوي يتعارض مع قيم العصر ولا تتقبله ثقافة الحاضر إضافة إلى أنه يحمل بذور الزوال.
فضحية هذا الاصطفاف هي الطبقة الفقيرة التي تستخدم وقوداً له وذلك لأن الانتماء لهذا الاصطفاف لن يحسن من وضعها، فعبره تتراجع هوية الانتماء الاجتماعي وتتراجع هوية الانتماء الفكري الأيديولوجي وهو تخل اختياري لهذه الطبقة عن أدوات الحصول على فرص لحياة أفضل.
ولعل التأثيرات السلبية لهذه الظاهرة ستأخذ بعض الوقت قد يمتد في بعض البلدان إلى سنوات طويلة إن لم تدمرها، وذلك لاختلاف قوة تأثيرها من بلد لآخر. ويعتمد ذلك إلى حد كبير على مدى قدرة من يرعى اصطفافات كهذه على إدامتها سياسياً ومالياً.
الاصطفافات الطائفية تحدث عادة لأحد ثلاثة أسباب، أولها شعور لدى الطائفة بوجود خطر داهم يهدد وجودها أو يضيق من المساحة المتاحة لها، وثانيها الرغبة في الاستحواذ على حقوق خارج ما هو مشروع لها، أما ثالثها فهو رد فعل لاصطفاف الطرف الآخر.
ومع أن هذه الظاهرة قديمة قدم الافتراق الذي حدث في الإسلام في القرن الأول الهجري وأصبح لها تأريخ عميق الجذور، إلا أنها لم توظف سياسياً كما توظف الآن، لذلك بدأت تحظى باهتمام العديد من المفكرين الذين أسهموا ولا يزالون في تقييم هذه الظاهرة التي بدأت تشكل خطراً حقيقياً على السلم الأهلي في عدد من دول الشرق الأوسط. محاور عديدة طرحت لمقاربة هذه الظاهرة، إلا أننا في هذه السطور نتطرق إلى جانب سياسي وهو مدى شرعية أو مشروعية الاصطفافات الطائفية من عدمها.
"الشرعية" هي حيازة الإطار القانوني لأي "كيان" قائم ضمن الدولة سواء أكان هذا "الكيان" حكومياً أم غير حكومي، هذا "الكيان" قد يكون تنظيماً سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو مهنياً. وطبيعة الشرعية هذه قد تختلف من بلد لآخر حسب الدستور أو التقاليد المعمول بها. أما "المشروعية" فهي اكتساب حق وجود "الكيان" عن طريق رضا الغالبية .
وإن لم تكن تستند إلى أساس شرعي ينص عليه القانون، إلا أنها لا تتعارض معه ولا مفر من الأخذ بها. من أمثلة ذلك مجالس الحكم المؤقتة التي تلت سقوط الأنظمة السياسية في بعض الدول سواء باحتلال أجنبي أو بثورات شعبية.
الحديث عن شرعية الاصطفاف الطائفي أو مشروعيته لا تستخلص من الصيغ القانونية السائدة فقط، فالشرعية لأي "كيان" هي مدى قدرة هذا الكيان في الحفاظ على المصالح العامة لعموم الشعب حاضراً ومستقبلاً، وعلى مدى إسهامه في تعزيز وحدة المجتمع وتعزيز مناعته وسلمه الأهلي ومدى انسجام وجوده مع جوهر القيم الديمقراطية. وحين لا تتفق مواصفات كيان معين مع هذه العوامل الأساسية للحفاظ على البلد فلن يكون هذا "الكيان" شرعياً ولا مشروعاً.
ولعل خطورة الاصطفافات الطائفية تكمن ليس في حدود بلد معين بل هي عرضة للانتشار إلى بلدان أخرى تمتلك مجتمعاتها التلون الطائفي نفسه مما يسبب خللاً خطيراً في العلاقات الإقليمية والخاسر الوحيد في ذلك هو شعوب هذه البلدان.
لم يعد الإنسان الواعي في هذا العصر يتقبل الدخول في صراعات طائفية عبثية تستند إلى ما حصل في الماضي البعيد، ولم تعد البلدان التي تجري فيها هذه الاصطفافات مكاناً لطائفة واحدة، فالماضي يطل في بلداننا في غير زمانه وفي غير مكانه.