نحن بحمد الله وفضله أبناء دولة الإمارات محظوظون بما أنعم الله علينا مما يتجاوز النعم المادية والرفاهية اليومية إلى عظيم الأخلاق وحسن التربية وطيبة النفس وكريم المحتد الذي نتوارثه كإماراتيين جيلا عن جيل، لذلك يصح فينا بفضل الله القول إن دولتنا ليست مثل باقي الدول، كما أن مواطنينا ليسوا مثل مواطني الدول الأخرى.

من هذا المنطلق تجد الإمارات ربما تكون الدولة الوحيدة التي لم يسجل في تاريخها إساءة إلى شقيق أو عبث بأمنه وجبهته الداخلية، ورغم كل الاتهامات التي وجهت إلينا من جهات معروفة المصالح والأجندات فقد عجزوا جميعا عن إثبات ولو واقعة واحدة والسبب بسيط وجلي لا تخطئه العين: فنحن قوم نحب العمل في النور وليس في العتمة والظلام. لا يوجد لدينا ما نخفيه، ولا يوجد على رؤوسنا بقايا ريش، وليس في قلوبنا دمامل ولا أحقاد.

نقول هذا الكلام ونحن نراقب عن حكمة، لا عن عجز، مجمل إساءات الجار المضر وهي الإساءات التي تعددت وتنوعت حتى أصبح الجار المضر مرتعا لكل أولئك العاجزين عن السعي وراء لقمة العيش فلا يجدون إلا شجرة الإمارات يرمونها بتخلفهم الفكري وهم جالسون يتنعمون في حضن من لا يعرف للجيرة والأخوة معنى.

وحين نستذكر اليوم ما رواه البخاري عن أبي شريح رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن»، قيل من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه»، نستذكر معه أيضا أن أخلاق العرب ومروءتهم لم تقم يوما على الإساءة للجار، ولا على التدخل في شؤون بيته، ولا على التحريض عليه، وغير ذلك مما عدها العرب قديما وحديثا من نواقض المروءة.

جارنا هذا يتاجر علينا وعلى غيرنا بالادعاء أن الإعلام إياه مستقل وأنه يحترم استقلاليته ولا يتدخل في شؤونه. وكنا ولا نزال نقول له أين هي استقلالية هذا الإعلام عندما يتعلق الأمر بحلفائكم السياسيين، حيث لا يمسون ولا بأدنى حرف، فيما تفبرك الأخبار وتزور التقارير بل وتستثار الجماهير على أشقائكم دون أدنى خجل!

كما أن ادعاءات الجار المضر لا تستقيم مع واقع استخدام المطبوعات المملوكة لحكومته في مهاجمة الدولة ورموزها، إضافة إلى قيام شخصيات ذات صلة وثيقة بالقائمين على شأن الجار المضر بمهاجمة دولتنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي واحتضان من يهاجمونها من جهات أخرى.

والواقع أن حجم وطبيعة التجاوزات لم تعد تقف عند حدود الإساءات الكلامية العابرة فالأسلوب المنظم والمتدرج والمتكرر يجعل هذه الإساءات جميعا تدخل ضمن تعريف ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي للأعمال العدوانية، وخاصة الأجزاء المتصلة بالتحريض والتآمر، وهي التي ينبني عليها في نفس الميثاق والقانون الحق الشرعي في الدفاع عن النفس.

فهل الجار المضر لديه القدرة على التحمل إذا اخترنا أن نمارس حقنا المشروع في الدفاع عن النفس؟ هل الجار المضر لديه القدرة على التحمل إذا اخترنا أن نتخلى عن سياسة الترفع وضبط النفس وتعاملنا معه بمنطق المعاملة بالمثل؟ مجرد أسئلة أشك أن يملك مستشارو السوء لدى الجار المضر أجوبة عليها، ويا ليتهم في الحد الأدنى يفقهون مقولة الشاعر العربي في جيرة العرب لبعضها:

يَرَى الْجَارُ فِيهِمْ أَمْناً مِنْ عَدُوِّهِ كَمَا أَمِنَتْ عِنْدَ الْحَطِيمِ حَمَامُهَا

هذا عن جارنا الذي اختار أن يكون شوكة في الخاصرة وجارا ما لنا من جيرته بد، وضارا يلعب في الوقت الضائع معتقدا أن الإساءة لجاره مهارة وشطارة وذكاء وهي على النقيض من ذلك تماما.

أما الجالسون في حضنه، من العاطلين عن العمل، الباحثين عن منفعة رخيصة، وهم كثر فسأخص من بينهم أبناء دول الخليج الذين تلفظهم بلدانهم، وتنعاهم حظوظهم فلا يجدون إلا صقور الإمارات ونخيلها فيحاولون الذم فيها، ولا يتذكرون إلا مواطئ قدم الإماراتيين ليسيؤوا إلينا ونحن لا ندري حتى أنهم ولدوا.

يبحثون عن موقع من الإعراب، وهم ليسوا أهلا له، فيهم الخبيث الذي ينفث سم الأفاعي الحزبية التي ربته، وفيهم الأحمق الذي عمي قلبه فاعتقد أنه يحقق شيئا من الشهرة والطموح إذا هاجم كالبق هامات الخيل الأصايل، وفيهم الجاهل الذي عميت عيناه فظن أن الإمارات لقمة سائغة يسهل لوكها، ولا يعلم هؤلاء ولا أولئك.

ولا حاضنهم، أن "عيال زايد" سيوفهم تضرب في الوقت الصواب والمحل الصواب، وأن "عيال زايد" قرارهم في رؤوسهم، هم من يقررون متى وكيف يتصرفون لا تحالف الصبيان والجهلة، وأن "عيال زايد" يحلمون حين يحلمون عن حكمة وتروٍ وحنكة، ألا فلا يختبرنا أحد!

نستطيع جميعا أن نفهم أسباب الجار المضر وصبيانه، وقد كنا نتمنى لو أننا نجد له العذر إشفاقا عليه، وكنا قبل ذلك نتمنى لو أن لدينا وقتا نهدره فنلقي له بالا.

لكن المشكلة أننا مشغولون بإنجازات وأولويات وأعمال، فعلى سبيل المثال تنشغل الإمارات من بين مشاغل عدة برعاية الأيتام والحنو عليهم ورعايتهم والبر بهم، بينما يسجل جارنا المضر مهارة عالية في إنتاج الأرامل والأيتام في أماكن عدة حول العالم!

وبينما تمد الإمارات أيديها بالخير إلى أصقاع الأرض بالاستثمارات المدروسة ذات الجدوى النافعة اقتصاديا واجتماعيا يتسابق جارنا المضر على مصارف الإقراض الدولية لشراء لعبة هنا ودمية هناك دون حساب عواقب الديون المتراكمة.

وبينما تتعزز مكانة الإمارات إقليميا ودوليا كشريك تجاري واقتصادي موثوق، تتراجع صورة الجار المضر في الاسواق الدولية باعتباره لا يستطيع الالتزام بالعقود التي يوقعها.

صحيح أن العلاقات بين الدول لا تدار بهذا التبسيط المتعمد الذي تبدو به مقالتي هذه، ولكنني أسأل النوعين اللذين ذكرت من أنواع الشقيق المضر: هل لديهما الجرأة والقدرة على تحمّل أن نتعامل معهما في هذا الملف كما ينبغي أن تتعامل الدول مع "جار مضر؟".