في الوقت الذي تبدي فيه الكثير من الدول تخوفها المستمر من العمالة الوافدة وتبعات الهجرات، تنظر دولة الإمارات بكثير من الإيجابية إلى هذه القضية من منطلق قدرتها الفائقة والمعروفة على استثمار جميع الظواهر الاجتماعية التي لابد من وقوعها بين الحين والآخر بالشكل الأمثل والخروج منها بأفضل النتائج والنظر إلى النصف الملآن من الكأس باعتبار أن لكل ظاهرة إذا أحسن التعامل معها ما يمكن عده مكاسب اجتماعية وتنموية واستراتيجية.

ومن هنا كان تعامل دولة الإمارات مع معضلة الهجرة الدولية، وإضاءة الكثير من الجوانب المتعلقة بهذا الأمر للخروج منه بما يمكن عده خطة دولية لاستثمار الظاهرة.

ومحور النظر لمثل هذه القضايا ينطلق من مبدأ أساسي تقوم عليه فكرة النهضة والتنمية في الإمارات، وهو أن جوهر الاستدامة في التنمية يقتضي العمل الدؤوب على الاستفادة من جميع مقومات المجتمع بما يعود بالنفع العام على عجلة التنمية المرجوة، وإذا كانت مشكلة الهجرة الدولية يظهر تداخلها الواضح مع قضية العمالة الوافدة، والاستفادة منها فتبدو عندها طبيعة النظرة في الدولة للمشكلة الأساس، مستندة في ذلك إلى النجاح المشهود الذي حققته الإمارات في ملف العمالة الوافدة وتطبيق المظلة التشريعية والقانونية وتحديثها وتطويرها باستمرار لتقديم أفضل الظروف المعيشية والتقنية للعمال في إطار ضوابط حقوق الإنسان.

في مشاركتها الأخيرة في اجتماعات الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، طرحت الإمارات رؤيتها لقضايا الهجـرة والتنمية، ودخلت إلى صلب هذا الموضوع من حقيقة مفادها أن الهجرة وتنقل العمالة الدولية يسهمان إسهاماً حقيقياً في التنمية بمختلف أبعادها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، مع التأكيد أن دمج السياسات والقوانين المنظمة للهجرة الدولية في برامج وخطط التنمية هو آلية مثلى لتعظيم العوائد التنموية لتلك الهجرة، والدعوة إلى ضرورة تأطير ظاهرة تنقل العمالة وربطها بالتنمية لزيادة فوائدها التنموية والحد من تداعياتها السلبية.

وعلى الرغم من أن ظاهرة الهجرة الدولية تعد من أبرز مصادر تغيرات البناء السكاني للمجتمع سواء من حيث الحجم أو الكثافة والتركـــيب النوعي والعمراني للسكان، وعلى الرغم من الحجم الهائل للعمالة الوافدة في الإمارات والتنوع الكبير لثقافاتها وإثنياتها ومصدرها الذي وصل في مجموعه إلى أكثر من مئتي جنسية من شتى بقاع الأرض، إلا أن الحكومة والدولة لا تزال تنظر إلى هذا الكم الكبير من هذه الخبرات على أنه كنز ثمين وليس عبئاً ثقيلاً في عجلة التنمية يمكن الإفادة منه واستثماره ليخرج خير ما عنده وتجنب ما يمكن أن يسبب مصدر قلق لدى الكثير من الدول.

هذا النضج النهضوي الحضاري في التعامل مع ظاهرة التحركات الإنسانية الاضطرارية في كثير من الأحيان، ينم عن رؤية عدة أشياء تترجم البعد الإنساني الكبير في التعامل مع الآخر. أحد هذه الأشياء أن الإنسان مكرّم وله حقوقه مهما كانت البلد التي خرج أو التي هاجر إليها، فله كامل الحق بأن يحظى بفرصته كإنسان فاعل في هذه الحياة يملك أن يسهم بدلوه في عمليات البناء ضمن جميع الشروط الموضوعية للعطاء والإبداع، لا أن تؤثر فيه جنسية أو اتجاه فكري ما دام حريصاً على الضوابط والقيود العامة التي من شأنها صون سيادة البلدان التي يعمل بها ملتزماً بالمحافظة على تقاليدها وشروط العمل فيها، وله عندها أن يحظى بكامل الحقوق القانونية التي تكفل له عطاءه وإبداعه.

والأمر الآخر الذي تنظر إليه الدولة في التعامل مع ملفات العمالة الوافدة، أن الاقتصاد والرغبة بالعيش الكريم قاسم مشترك عظيم يكاد يربط بين جميع البشر، وأن الحكومة الناجحة هي التي تستطيع إخراج أفضل ما عند الناس، لتستثمره في أفضل ما تحتاج إليه النهضة.

ويضاف إلى ذلك بلا شك ما تحمله الهجرات المختلفة من مناسبة إنسانية لتلاقي الخبرات الإنسانية والثقافية التي تثري المجتمعات وتقدم الصورة الحضارية لها في الحاضر والمستقبل، وهي مهمة لا تراها الإمارات عصية على التحقيق بل هي تجربة واقعية يراها كل من عرف الإمارات أو عاش فيها من أهلها أو ضيوفها.