السؤال المطروح دائما؛ لماذا في ظل قلة عدد القنوات، وفي ظل البث الأرضي، كان للقنوات التليفزيونية دور كبير ومؤثر في المجالات الثقافية والتعليمية، في حين لما تعددت تلك القنوات خف هذا الدور وضعف التأثير؟ ولا شك أن ذلك مرجعه تلك المنافسة الشديدة بين الفضائيات العربية وغير العربية، فضلا عن حالة من الاستسهال أطلت علينا عبر تقليد البرامج أو دبلجة المسلسلات، والأمثلة كثيرة؛ وهو ما يوحي بانعدام الرؤية لواقع الفضائيات العربية وكيف سيكون مستقبلها.
إن تميز قنواتنا الفضائية لن يكون إلا عندما تعيد ترتيب أولوياتها، بحيث تحدد الهدف الرئيس الذي قامت من أجله.
وإذا كنا أكثرنا الحديث حول تقييم ما يعرض على فضائياتنا العربية، وتناوله بالنقد، فقد حان الوقت لننتقل إلى المربع التالي، وهو تحديد مجموعة من الخطوات أو الإضاءات على طريق الإعلام الفضائي، يمكن أن تضبط المسار، وتعيد توجيه الدفة، بما يخدم المشاهد العربي، وهو الجمهور المستهدف في الأساس، من الرسالة الإعلامية.
من المعروف بداهة أن كل وسيلة إعلامية لها سياسة إعلامية تؤطر عملها وتدور في إطارها، وهذا واقع لا يمكن إغفاله أو التغافل عنه في الشرق أو الغرب، إلا أن ذلك لا يمنع من متابعة المضمون الذي يتم بثه ووضع ضوابط له؛ يتم هذا في الشرق والغرب على حد سواء، فهيئة الإذاعة البريطانية التي تفخر باستقلالها عن الحكومة البريطانية، وأن ولاءها الأول للجمهور، إلا أن الحكومة تراقب أداءها، وتملك بقوة القانون التدخل إذا أخلت بالضوابط التي تم الالتزام بها، كما أن المحطات التليفزيونية في أكثر الدول ليبرالية، تلتزم عند الترخيص لها بقدر من البرامج التي تهدف إلى خدمة المجتمع وتوعيته، وتتم مراقبة أدائها بين الحين والآخر.
أقول إن تقييم الأداء الإعلامي أمر مسلم به، وليس من باب تقييد الحريات أو الالتفاف عليها للانتقاص منها، وما تقوم به تلك الوسائل ذاتها، من استمرار برامج لسنوات في حين تختفي برامج أخرى لم تلبث طويلا، هو نوع من التقييم.
وإذا كان الجمهور هو المستهدف من الرسالة، فمن حقه أن يبدي رأيه في المضمون المقدم، كما هو حق المتابع أيضا، سواء كان متخصصا أم ناقدا أم صاحب قلم أو مسؤولا.
وعلى الرغم من أن معرفة احتياجات الجمهور والسعي إلى تلبيتها من الأمور التي يجب أن تأخذ بها مختلف وسائل الإعلام، إلا أن ذلك لا يعني السير وراءه في كل الأحوال بمنطق أن الزبون دائما على حق، وإلا تعاملنا مع الرسالة الإعلامية بمنطق السوق واعتبرناها سلعة، مع أن الرسالة والخدمة العامة جزء أصيل من مهمة وسائل الإعلام.
لذا فان اللعب على مشاعر الشارع العربي، في ما يسمى بالإعلام الشعبوي، هو نوع من التضليل الإعلامي، يؤدى إلى نتائج قد تصنع جماهيرية مؤقتة، إلا أنها وخيمة العواقب و المآلات.. فقد تستطيع خداع بعض الناس تجاه بعض الموضوعات لبعض الوقت، ولكن لا تستطيع خداع كل الناس طيلة الوقت.
إنه في ظل هذا الإغراق الفضائي، الذي يحيط بالمشاهد العربي، والذي فقدت معه الأنظمة الوطنية القدرة على التوجيه والضبط الاجتماعي، وتلاشى ما كان يسمى بالسيادة الإعلامية للدول، كما أن الأساليب القديمة للتحكم في المضمون الذي يصل إلى الجمهور، مثل التشويش بات جزءا من التاريخ، لذا وجب على الفضائيات العربية، لكي تحافظ على جمهورها، أن تكون أكثر قربا منه واحتراما لعقله، وأن يجد فيها ما يغنيه عن مشاهدة غيرها، وإلا فإن المتاح كثير ومتعدد.
وهذا القرب يحتم على فضائياتنا العربية أن تنفتح على العالم، دون أن تذوب فيه وتصبح مسخا مشوها لغيرها، ولكن تستند إلى الثقافة العربية وتعتز بتراثها، وهذا ما يميزها عن غيرها؛ فبالأضداد تتمايز الأشياء، وإحساس المشاهد أن ما يراه يمثل بيئته وحياته يجعله أكثر التصاقا به.
ومن المعضلات التي تواجه الفضائيات العربية، أننا أسهبنا كثيرا في إطلاق العديد منها معتقدين أننا بذلك قد ضمنا التأثير، والحق أن كثيرا من الفضائيات ضمنت التواجد ماديا بحكم أنها تملك ترددات ولها إشارة بث، غير أنها ليست موجودة فعليا، ولا تملك التأثير فضلا عن الجمهور المتابع لمضامينها.
وهذا الخلل لن يتم جبره إلا عبر الإنتاج العربي المشترك للبرامج التي تدعم الشخصية العربية وتستطيع أن تنافس، خاصة أننا لا تنقصنا الإمكانات المادية، وآية ذلك هذا الكم ذاته من القنوات العربية التي تسبح في الفضاء ليل نهار.
وإذا كانت القيادات الرشيدة في عالمنا العربي تدعو إلى تعزيز وتمكين اللغة العربية، وهو ما يتطابق مع المزاج العام للمشاهد العربي الذي يعتز بلغته، فيجب على الفضائيات العربية أن تتماهى مع ذلك من خلال ما تقدمه من مواد بشكل مبسط وجاذب، باعتبار أن العربية ليست عندنا لغة إنما مقوم لا غنى عنه في تكوين الشخصية، فإنما العربية اللسان.
كما أن من الأهمية بمكان أن تعبر الفضائيات العربية عن مختلف الخصوصيات العربية وشرائح المجتمع، لأن هذا التعبير سيقوي أواصر المجتمع واللحمة المجتمعية بعيدا عن التهميش، وهو ما سيجعل للرسالة الإعلامية مذاقا مختلفا، لأن هذا التنوع يثري المجتمع ويغني ثقافته.
في إطار ذلك لا بد أن تكون هناك دوائر حكومية ومؤسسات مجتمع مدني معنية بتقييم أداء الفضائيات على مدار العام، عبر أدوات علمية ومقاييس محددة، تستطيع أن تخرج لنا نتائج ملموسة تبنى عليها خارطة عمل ترتقي بمستوى الأداء بما فيه صالح الجمهور والوسيلة.
إن الدعوة إلى أن تكون الفضائيات العربية هي البوابة الأولى للمواطن العربي هي حق من حقوقنا، كما أنها لا تعبر عن حالة من الهلع من غيرها من مصادر الإعلام، لكنها دعوة لأن ننفتح على الآخرين من خلال أرضية ثابتة وقوية، وهو ليس بدعا من القول، ألم يدعُ بعض قادة الغرب في أحيان كثيرة مواطنيهم لعدم الالتفات إلى أخبار أو قنوات بعينها في أوقات محددة؟
إنني أدعو إلى التأكد من أن كل فضائية عربية جديدة ستمثل إضافة إلى قدراتنا الإعلامية حتى نخرج من حالة الغثائية الحالية، كما أطالب فضائياتنا العربية بإعادة تحديد أولوياتها، واضعة عينا على خدمة المشاهد العربي وعينا على مصلحة الوطن.