نعم، أعلم أنك من أبناء الإمارات وأنك تقيم وتعمل على أرضها الخيرة المعطاء، وتقود سيارتك كل يوم في شوارع مدنها وتتنعم بخيراتها وفيئها، لكنني أسألك مرة أخرى: هل زرت الإمارات مؤخرا؟ هل تعرفت إلى أبنائها ومجتمعها وثقافتها وأخلاقها وحياتها؟ أم أنك لا تزال مصرا على حالة الاغتراب الفكري والثقافي والذهني، وتعيش في برجك العاجي بعيدا عن المواطنين وهمومهم! هؤلاء الذين يحاولون أن يقدموا أنفسهم لنا باعتبارهم رسل الثقافة المستوردة والتحرر الغربي والتلبرل الباهت، ينسون أن يتعرفوا إلى الإمارات: قيادتها وشعبها ومواطنيها وأخلاقها وثقافتها وتقاليدها، لذلك تجدهم يسيرون في غيهم وغيبوبتهم الفكرية والثقافية، دون حتى ملاحظة أو معرفة ما الذي يحتاجه الوطن ويريده المواطن على أرض الواقع.

تشعر وأنت تقرأ لهم أنهم لم يعيشوا بيننا يوما، ولا يعرفون شكل وطبيعة العلاقة بين مؤسسة الحكم والمواطن، ولم يسمعوا يوما عن حجم المحبة المتبادلة بين القائد والمواطن، ولا عن مدى التطور الذي حققته مؤسسات الدولة (الاتحادية والمحلية) في مختلف المجالات، كأنما الأوطان لا تبنى إلا بعدد الثغرات التي يريدون أن تبقى مفتوحة، ليتسلل منها الفكر الغريب والسوس الأغرب والماء الملوث الذي يجري تحت التبن!

كثيرون هم من يغيظهم تلاحمنا وتغيظهم وحدتنا وتقدمنا، ولكن الأسوأ أن يكون المعبرون عن ذلك الغيظ بأشكال عديدة، أشخاص يلبسون الكندورة ويحملون الجواز الإماراتي ويعيشون بيننا بينما عقولهم وقلوبهم تعيش في قارات أخرى! نقرأ ما يكتبون ولا نكاد نصدق حجم التشابه والتماهي بينه وبين أجندات معروفة معينة، وخطابات حاقدة لا ترى في دولنا إلا غنائم جاهزة وطرائد لغرباء يبحثون عن تخمة حرام.

بل ولعلنا نذكر لك أيها الليبرالي، في هذا المجال، بعض الوقائع المؤسفة التي عملت فيها كحصان طروادة للإرهاب والتنظيم السري، حين سمحت لنفسك أن تعيد إنتاج الكثير من خطابات وطروحات التنظيم السري بمسميات مختلفة، مرة كمقالات ومرة كتغريدات يشترك فيها جميعا خطاب متعال وتحذيرات مستترة، كأن ما يريده الإرهاب والليبراليون هو المسار الحتمي ولا مسار سواه.

 ونذكر لك أنه في كل مرة كان يساء فيها إلى الدولة ورموزها وقياداتها، كنت تلجأ إلى اللغة التبريرية تارة ولوم أبناء الإمارات الذين يدافعون عن بلدهم ولا يعتدون على أحد، تارة أخرى.

في كل مرة تهاجمنا إحدى المنظمات الأجنبية أو الإقليمية معروفة الأجندات، ومهما كان المسمى الذي تتستر وراءه، يفاجئنا الليبرالي، مهما اختلفت أسماؤه، بالدفاع عنها تارة وتبرير تقاريرها تارة أخرى، ومحاولة شرح مواقفها، وحتى أحيانا لومنا نحن على عدم تلبية متطلبات رضاها عنا.

والمشكلة هنا أنهم يتجاهلون تماما أنه مهما فعلت الدولة، هنالك دائما شيء لا يرضي هذه المنظمات، ومهما اتخذت الدولة من إجراءات تصويبية، سيتم اختراع عناوين جديدة، فهل نرهن دولتنا وقوانينا وسيادتنا لأمزجة غريبة مأفونة وأجندات ليست بريئة ولا صادقة؟

ولعل آخر مفاجآت التيار المتلبرل، تلك الدعوة الغريبة التي أطلقها أحدهم بلغة أجنبية وفي صحيفة لا تخاطب أبناء الإمارات، مطالبا بفتح الباب أمام التجنيس.

وسأرد عليه باللغة التي يفهم، بكلمة قالها صحفي بريطاني في نهاية التسعينات وهو يشرح لزملائه طبيعة الإجراءات الإدارية للدولة في ملف التجنيس: "عليكم أن تفهموا أن الإماراتيين معهم كل الحق في إجراءاتهم، لأنهم ببساطة يحمون وجودهم ومجتمعهم وثقافتهم، ولو فتحوا الباب على مصراعيه لذابوا تماما".. ذلك الصحفي البريطاني فهمها وأنصفنا، فهل تنصف أهل ديرتك يا..!

لكن أسوأ ما يلفت الانتباه في مقالة هذا الـ"أحدهم"، وغيره من المتلبرلين، كثرة اعتمادهم على نفس "الكلمات المفتاحية" التي تتسق تماما مع ما يرد في تقارير المنظمات المشبوهة، حتى أنك إذا بحثت عن هذه الكلمات المفتاحية على الإنترنت تفاجأ بأنها تكاد لا ترد إلا في مكانين: تقارير المنظمات وكتابات هؤلاء.. فهل هو تصادف بريء أم أن وراء الأكمة ما وراءها، يا هذا ويا ذاك؟

وهؤلاء عندما يقدمون طروحاتهم المغلفة بورق ناعم، يحاولون احتكار التحضر والثقافة، بل وحتى احتكار الوطنية، وهم يتجاهلون أن أجنداتهم الخفية لا تهتم لا بوطنية ولا بتحضر ولا بثقافة، فقد سمعنا هذه الخطابات من قبل من الذين جاؤوا على دبابات المحتل الأميركي مبشرين بديمقراطية وهمية لم يجد منها أهل تلك البلاد سوى القتل والطائفية.

ورأينا أحصنة طروادة ليبرالية كثيرة تسهل استباحة بلدانها وتخريب اقتصادياتها، تحت مسميات براقة وخطابات ديماغوجية جذابة، لكنها بقيت عاجزة عن فهم بلادها وشعوبها، لذلك انتهت ببساطة إلى مزبلة التاريخ.

خلاصة الأمر يا عزيزي الليبرالي.. في دول العالم الأخرى هناك من أبناؤهم "مغتربون" يعيشون في دول أخرى بحثا عن الرزق واللقمة الحلال، ونحن مصيبتنا أن لدينا من أبنائنا "متغربون" يعيشون بيننا، لكن قلوبهم وعقولهم في دول أخرى بحثا عن "الفكرة الحرام"!

لكنني أود هنا أن أذكر الجميع بأن المواطن الإماراتي هو الحصان الرابح، لأنه الأكثر وعيا والأكثر حرصا على دولته وبلده، كما أن تلاحمه مع قيادة الدولة من أصحاب السمو الشيوخ وإدراكه للأولويات الوطنية المختلفة، جعل منه صمام أمان ضد كل الدعوات الغريبة والأفكار الضالة المضلة، وكل الفيروسات التي تحاول وستحاول أن تمس إماراتنا الحبيبة بسوء.

أما نحن "الإماراتيين" فقد تعلمنا من شيوخنا ومن ديننا الحنيف، أن كل واحد فينا على ثغرة لحماية هذا الوطن وهذا الشعب وهذه الديرة، وبإذن الله لن يكون فينا من يؤتى الوطن من قِبَله.