كشفت لي نظرة ألقيتها على إحدى الصحف مؤخراً، أن أحد الكُتّاب قد وجدت جثته بعد انتحاره، وبينما أوردت الصحيفة اسم الكاتب، فإنه لم يردد أي أصداء بالنسبة لذاكرتي.. وقد جاء في الخبر أن الكاتب رحل عن 30 عاماً بعد أن أصدر 8 روايات، وكان عاكفاً على كتابة روايته التاسعة عندما قرر أن يضع نهاية لحياته. والمرء يطرح بصورة طبيعية السؤال البديهي: لماذا؟ ففي نهاية المطاف، ومع إنجاز 8 روايات والوصول إلى الثلاثين من العمر، لم يكن هناك سبب يدعوه للتشاؤم في ما يتعلق بالمستقبل!
وأبادر إلى الإقرار بأنني لم أكن قد سمعت باسم ذلك الكاتب، وبالتالي لم أقرأ أياً من رواياته. والحقيقة أنه سيكون مما يثير الاهتمام أن نعرف بدقة، عدد الروائيين الذين تُشترى أعمالهم وتُستعار من قبل الأصدقاء أو تؤخذ من المكتبات.
وبما أنني خلال كتابة هذه السطور لست في داري، التي تضم عدداً كبيراً من الكتب يمكنني أن أتعرف من بينها على العديد من المؤلفين الذين اختاروا الرحيل عن عالمنا عبر الانتحار، فسأسجل قائمة بأسماء عدد محدود من الكتاب الذين أعرف أنهم جمعوا بين الشراب والانتحار. ومن بين هؤلاء الشاعر الويلزي ديلان توماس، الذي عاش شباباً بعيداً عن التمايز، ولم يحقق أي نوع من الشهرة إلا عندما وجد نفسه فجأة باعتباره محاضراً مميزاً.
وقد حقق ذلك في مناسبتين في الولايات المتحدة، وكل منهما كانت تحت تأثير شراب قوي، وبعد الحادثة الثانية وصل إلى حالة من الجنون انتهت بانتحاره، الأمر الذي أثار دهشة عدد كبير من الذين كانوا معه في ذلك الوقت. وكان عندئذ قد حظي بالاعتراف باعتباره شاعراً مرموقاً ينتمي إلى نوعية مناصره الشاعر تي إس إليوت، رغم أن الأخير كتب أكثر بكثير من ديلان توماس، وحظي بجمهور من القراء يفوق بكثير ما حظي به الشاعر الويلزي.
كان إرنست همنغواي كاتباً آخر يفتقر بشكل أكبر إلى الأسباب التي تدعوه إلى الانتحار، وإذا سئل المرء عن أسماء نصف الدزينة الأكثر بروزاً من الكتاب في أوائل القرن العشرين، على سبيل المثال، لأدرج من بينهم بالتأكيد همنغواي.
هنا نجد مجدداً كاتباً استهل حياته العملية دون أن يترك انطباعاً يذكر على الإطلاق، وقد كان يشعر بالاكتئاب حيال روايته الأولى "لمن تقرع الأجراس"، وبصفة خاصة حيال التجاهل التام الذي قوبلت به، ثم أصبحت فجأة من أفضل الكتب مبيعاً، وبيعت حقوق تحويلها إلى فيلم سينمائي وحولت إلى فيلم أحرز نجاحاً كبيراً.
وقد دارات أحداثها حول الحرب الأهلية في إسبانيا، التي كانت حتى ذلك الوقت قد تعرضت للتجاهل بشكل أو بآخر، في كل من الأدب الجاد والمسرح والسينما. غير أن الرواية حولت إلى فيلم بارز للغاية، يضم لقطة أصبحت كلاسيكية في تاريخ الفن، وهي اللقطة التي يقف فيها أحد جنود المشاة في صفوف رجال الجنرال فرانكو وسط رفاقه، قبل ثوانٍ من إطلاق النار عليه وقتله، ويضم الفيلم كذلك مشاهد بارزة للمعارك بين الطرفين المتصارعين.
ويُعد توماس شاترتون من أوائل الكتاب الذين أقدموا على الانتحار وأكثرهم شهرة، وقد ولد عام 1752 وتُوفيّ في 24 أغسطس 1770. وكتب تحت اسم الشهرة توماس راولي، وأقدم على الانتحار بتعاطي سم الزرنيخ الذي كان شائع الاستخدام آنذاك.
وقد حلقت شهرته عالياً من خلال شعره، كما كتب أيضاً عن الحياة السياسية في أيامه، وقد كان ينظر إليه على أنه لم يتلق تعليماً راقياً، وقد سألته أخته ذات مرة عن الشيء الذي يود أن يرسم على وعاء ويصبح هذا الوعاء بعدئذ ملكاً لها، فرد عليها قائلاً: "ارسمي لي ملاكاً بجناحين وبوقاً لكي يطلق اسمي عبر البوق في أرجاء الدنيا كلها". وقد تخيل أنه سيصبح شاعراً شهيراً، وأنه من خلال مواهبه سينقذ أمه من الفقر الذي عاشت فيه.
وقد اكتشفت كذلك أن واحداً من كتابي المفضلين، وهو هنري دي مونترلان قد انتحر، وكذلك الحال بالنسبة للكاتب الياباني يوكيو ميشيما، والكاتب الياباني الآخر الشهير كواباتا.
يؤسفني كثيراً أن أرى أن الكثير من الكُتّاب الموهوبين، قد اختاروا أن يضعوا خاتمة لحياتهم بهذه الطريقة المُحزنة.