قد يتذكر معظم الناس ما كانوا يفعلونه في 11 سبتمبر 2001، ففي ذلك اليوم انهارت أبراج مركز التجارة العالمي، مرسلة موجات صادمة في جميع أنحاء العالم، وكانت النتيجة احتلال أفغانستان والعراق. أما على الساحة المالية فقد يتذكر معظم الناس 15 سبتمبر 2008، ففي ذلك اليوم انهار بنك الاستثمار العالمي ليمان براذرز، مرسلاً موجة من الصدمة في جميع أنحاء النظام المالي العالمي. وكانت النتيجة أزمة عالمية وركوداً تسبب في الألم للعالم بأسره.

لا أريد أن أعمم المقارنة، غير أن ثمة أشخاصاً يقارنون الصيرفة الاستثمارية بالحرب. وهي حرب تشمل "أسلحة دمار مالي شامل"، كما وصف وارين بوفيت مرة المشتقات المالية. مضيفاً أنه غير ميال إلى استخدام لغة كتلك. ففقدان الحياة البشرية يختلف تماماً عن خسارة مبالغ طائلة من الأموال والثروات.

لكن يظل فشل ليمان براذرز حدثاً غيّر مجرى العالم، وحياة كثير من الناس. ولم تكن قضية بنك بمفرده دخل في دوامة الإفلاس، وأصبح منذ ذلك الحين رمزاً لكل ما لحق بالقطاع المصرفي والنظام المالي، والنظام الرأسمالي نفسه إلى حد ما، من ضرر.

وينبغي أن نتساءل أولاً عن كيفية وقوع هذا الأمر، ثم العبور إلى السؤال الثاني المتمثل فيما يتوجب صنعه، وهما سؤالان مترابطان، فلا بد أن نعتبر من دروس الماضي لنعيد صياغة المستقبل من جديد.

تمتد جذور الأزمة المالية إلى زمن أبعد من انهيار بنك ليمان براذرز. ووجه الغرابة ليس في وقوع الأزمة نفسها، وإنما في تأخر وقوعها إلى 2008. والأزمة المالية إلى حد ما تعود في أصولها إلى أزمات مالية سابقة، وتتمثل في نمو ائتماني عال، يغذيه مناخ أسعار فائدة منخفض. غير أن ثمة عنصراً مميزاً لهذه الأزمة، وهو الابتكار المالي. ففي تسعينات القرن الماضي، أضيفت أنواع جديدة من الأوراق المالية إلى عهدة المهندسين الماليين. وقد أتاح ذلك تجميع محفظة ضخمة من القروض، وبيع شرائح صغيرة من هذه المحفظة.

وفي جوهرها فإن الأوراق المالية لا تعدو كونها أدوات تمكن من التحصيص الفعّال للمخاطر. ولكن كانت هناك مشكلتان حولتا تلك الأداة المفيدة وقتئذ إلى واحدة من أسلحة وارين بوفيت المالية للدمار الشامل، وهما حوافز مشوهة، وغياب الشفافية.

وكانت مؤسسات مالية عدة قد منحت في بداية عام 2000 قروضاً بمبالغ مالية ضخمة، وخاصة في الشريحة الفاخرة من الرهن العقاري. ولم تكن تعتزم الاحتفاظ بتلك القروض طويلاً في دفاترها، لكنها كانت "مخزنة ". وبدلاً من ذلك فإن البنوك ورقت تلك القروض ثم ما لبثت أن باعتها في النهاية إلى مستثمرين آخرين. وسرعان ما دمر أسلوب "الابتكار ثم التوزيع" حوافز منهج الحرص. وكان مبتكرو القروض يعلمون أنهم سينشرون المخاطر إلى أبعد من ذلك. ولذلك فلم الاكتراث بتقييم مصداقية المقترض؟

وسرعان ما تفشى الأمر إلى وقوع البنوك في المشكلات. ولم تكن السيولة كافية لدى ليمان براذرز، وعلى مدى عام 2008 وقع البنك في المشكلات.