هناك احتمال بأن تغلق الحكومة الأميركية أبوابها! فالولايات المتحدة تعيش اليوم الصراع الحاد نفسه الذي عاشته في التسعينات بين الرئيس الديمقراطي والكونغرس الجمهوري، وانتهى بإغلاق الحكومة الأميركية أبوابها مرتين عام 1995.
وإغلاق الحكومة لأبوابها معناه تسريح أعداد من العاملين فيها، وإجبار آخرين على البقاء في منازلهم دون أجر. ومعناه أيضا أن تتوقف الحكومة عن تأدية الخدمات المعتادة للمواطنين.
وقد أغلقت الحكومة الفيدرالية أبوابها في التسعينات، بسبب معركة شرسة بشأن الميزانية، بين كلينتون والكونغرس ذي الأغلبية الجمهورية، امتنع فيها الأخير عن إصدار قوانين تمويل الحكومة، فاضطرت الأخيرة لإغلاق أبوابها لأنها لا تملك التمويل اللازم لإدارة العمل.
ويعيد الجمهوريون اليوم إنتاج الحدث نفسه. فالعام المالي الجديد يبدأ في الأول من أكتوبر، وهو ما يتطلب أن يصدر الكونغرس 12 قانونا توفر الاعتمادات المالية للوزارات المختلفة، لكن أيا من تلك القوانين لم يصدر.
لذلك، ليس أمام الكونغرس إلا إصدار ما يعرف "بالقرار التكميلي"، والذي يمول الحكومة لمدة ثلاثة أشهر تتم خلالها الموافقة على التمويل اللازم للعام المالي الجديد. غير أن الجمهوريين اتخذوا "القرار التكميلى" رهينة لأجل إلغاء قانون الرعاية الصحية، المقرر أن يبدأ العمل به هو الآخر في الأول من أكتوبر.
والحقيقة أن قانون الرعاية الصحية الذي أصدره الكونغرس ووقع عليه أوباما، تعرض منذ مناقشته في الكونغرس وحتى إقراره، لمعركة شرسة من جانب الجمهوريين. وما إن صدر القانون حتى حاول الجمهوريون إلغاءه عن طريق المحاكم، لكن المحكمة العليا قضت بدستوريته.
ومع ذلك، لم يتوقف أقصى يمين الحزب الجمهوري، وتحديدا الممثلين لحركة حفل الشاي في الكونغرس، عن محاربة القانون، رغم قبول الأميركيين له.
فقد أثبتت استطلاعات الرأي أن 44% من الأميركيين يؤيدون القانون، بينما توجد لدى 27% منهم تحفظات عليه ولكنهم يريدون تطبيقه بأعلى كفاءة ممكنة، الأمر الذي يعني أن 71% مع البدء في تطبيق القانون في موعده. لكن الجمهوريين هددوا برفض إصدار القرار التكميلي لتمويل الحكومة، إذا لم يتم وقف أي تمويل لقانون الرعاية الصحية.
وبالفعل، وافق مجلس النواب على تمويل الحكومة مؤقتا، مع النص على حظر تمويل قانون الرعاية الصحية. وحتى يصبح قرار مجلس النواب نافذا، لا بد أن يوافق عليه مجلس الشيوخ ثم يوقعه الرئيس، وهو ما يواجه صعوبات شتى ولكنه لا يمنع إغلاق الحكومة الفيدرالية.
فالأغلبية في مجلس الشيوخ للديمقراطيين لا للجمهوريين، وهناك عدد كبير من الشيوخ الجمهوريين لا يوافقون على ما فعله أقرانهم في مجلس النواب، مما يعني أن الأغلبية قد تمول الحكومة دون حظر تمويل قانون الرعاية الصحية.
لكن عضوا واحدا في الشيوخ بإمكانه، وفق قواعد المجلس، تعطيل صدور قرار مخالف لما صدر في مجلس النواب، ويحتاج المجلس عندئذ لأغلبية الثلثين لوقف ذلك التعطيل. فإذا لم يملك المجلس تلك الأغلبية الكبيرة، فسيظل الصراع قائما وتغلق الحكومة أبوابها بالفعل.
غير أن الواضح أن مجلس الشيوخ قد يمتلك أغلبية الثلثين. لكن، ولأنه لا قانون يصدر في أميركا إلا بموافقة المجلسين معا، فإن إصرار كل مجلس على موقفه سيعني عدم إصدار تمويل مؤقت للحكومة فتضطر لإغلاق أبوابها.
وهناك أوجه شبه عديدة بين ما يجري اليوم وما جرى في عهد كلينتون، وإن كانت أوجه الاختلاف أكبر بكثير، بما قد ينذر بكارثة للحزب الجمهوري، تطيل مدة بقائه بعيدا عن منصب الرئاسة وربما عن الأغلبية التشريعية في أول انتخابات قادمة.
فأحد أوجه الشبه بين الحالتين، هي الحرب الشاملة التي يشنها الجمهوريون على الرئيس الديمقراطي. فمثلما سعوا منذ تولي كلينتون لحرمانه من أي إنجاز، يفعل الجمهوريون الشيء نفسه مع أوباما.
وهناك أيضا معارضة الجمهوريين الشرسة لأي قانون للرعاية الصحية، ففي عام 1993 هزم الجمهوريون مشروع كلينتون للرعاية الصحية، وهم اليوم يسعون لإلغاء القانون الذي صدر في عهد أوباما.
والسبب الحقيقي لتلك المعارضة، أن الجمهوريين يعتبرون صدور قانون للرعاية الصحية خطرا على مستقبل حزبهم.
فحين أصدر الرئيس الديمقراطي روزفلت قانون الضمان الاجتماعي وغيره من القوانين التي استفادت منها قطاعات واسعة من الأميركيين، ثم صدر في عهد جونسون الديمقراطي قانونا الرعاية الطبية لكبار السن والمساعدة الطبية للفقراء والعاجزين عن العمل، صار الحزب الديمقراطي هو حزب الأغلبية في الكونغرس لأكثر من أربعين عاما متتالية.
لذلك، فإن بدء تنفيذ القانون في أكتوبر، معناه عند الجمهوريين بدء حصول الأميركيين على مزايا جديدة ترفع شعبية الديمقراطيين، وتقضي على فرص الحزب الجمهوري لعقود قادمة.
غير أن أوجه الاختلاف بين إغلاق الحكومة في التسعينات وما يجري اليوم، أكبر من أوجه الشبه.
ففي التسعينات، كان الجمهوريون قد شكلوا لتوهم الأغلبية في المجلسين بعد زخم قوي في الانتخابات، أما اليوم فلا يسيطر الحزب الجمهوري إلا على الأغلبية في مجلس النواب فقط، وهو خرج لتوه من هزيمة مدوية في انتخابات الرئاسة، لأنه استعدى بأجندة يمينية متطرفة أغلب قطاعات المجتمع.
لكن بدلا من أن يسعى لتحسين قدرته على اجتذاب الناخبين، إذا به ينقسم على نفسه بين تيار حفل الشاي وبين الجمهوريين الكلاسيكيين، بل تتعرض قيادات الحزب في المجلسين للابتزاز من جانب حفل الشاي، عبر التهديد بهزيمتهم بتمويل منافسيهم في أول انتخابات قادمة.
غير أن الأهم من هذا كله، هو أن الأميركيين بعد إغلاق الحكومة في 1995، أعطوا الجمهوريين درسا قاسيا في انتخابات 1996 وأعيد انتخاب كلينتون لفترة رئاسية ثانية، وفقد الحزب بعض المقاعد في المجلسين.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم هو؛ ماذا سيكون رد فعل الناخبين الأميركيين إذا ما أغلقت الحكومة أبوابها؟