كان الحوار، في إذاعة «بي. بي. سي» العربية، يدور حول تقرير السعادة العالمي الذي أصدرته جامعة "كولومبيا" الأميركية مؤخراً، عندما اتصل مستمع من ليبيا ليدلي برأيه فيه قائلاً: إن مصدر السعادة هو ليبيا! لم يفهم المذيع الذي كان يدير الحوار ما قصده المستمع الليبي، فبادر إلى سؤاله مستوضحاً، ليجيبه المستمع قائلاً: إن ليبيا هي مصدر السعادة، لأنها تصدر النفط إلى العالم!

وجهة نظر ربما بدت لي، وللبعض ممن كان يتابع الحوار وقتها غير مفهومة، وربما وجدها البعض وجيهة رغم غرابتها، خاصة أن أغلب المشاركات جاءت تقليدية، لم تخرج فيها وجهات النظر عن الكلمات المعتادة التي نسمعها عند الحديث عن السعادة، وهي الستر والصحة والقناعة.

وهي وجهات نظر لها احترامها عند الحديث عن الشعور بالسعادة الذي صنفته الدراسة حسب مجموعة عوامل، منها الرعاية الصحية، وفرص التعليم، والشعور بالأمن، والحياة الاجتماعية، وفرص العمل، والدخل المادي، دون أن تضع "تصدير النفط" من بينها.

لكن هذا، كما نرى، لا يخرج رأي المستمع الليبي من السياق، لأن السؤال غير المباشر الذي ربما أراد هذا المواطن الليبي أن يطرحه هو: إلى أي مدى حقق تصدير النفط للشعب الليبي السعادة التي يستحقها من تصدير هذه الثروة خلال العقود الأربعة الماضية؟ وهل هو بحجم السعادة التي حققها هذا التصدير للدول الأخرى؟

الدراسة التي أجريت بين عامي 2010 و2012 أوضحت، على الجانب الآخر، أن أسباب الشعور بالتعاسة متعددة، منها الفقر، والبطالة، وتمزق الأسر، والأمراض العضوية. إلا أن أهم أسباب الألم والتعاسة في أي مجتمع، حسب الدراسة، هو الأمراض العقلية!

لذلك دعت الدراسة الحكومات إلى تخصيص قدر أكبر من أموالها للإنفاق على الأمراض العقلية. نتيجة ربما تكون غريبة، لكنها تبدو منطقية، في ظل الهجمات الدموية بالأسلحة النارية التي يشهدها بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية، يحتل المركز السابع عشر في قائمة الدول الأكثر سعادة.

وهي هجمات أغلبها ليس عسكرياً، كما قد يتبادر إلى الذهن، لأنه يقع من طلبة جامعات ومدارس، ضد زملاء ومدرسين لهم داخل هذه المؤسسات التربوية التعليمية، مثل حادثي جامعة "فيرجينيا تك".

وجامعة "نورذرن ألينوي" اللذين أطلق خلالهما النار طالبان جامعيان على زملائهما والهيئة التدريسية، فأوديا بحياة ما يقارب الأربعين شخصاً، وأصابا العشرات. ومثل حادث مدينة "ليتل تاون" في ولاية كولورادو، الذي سقط فيه 13 قتيلاً في إحدى المدارس، على يد طالبين في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمريهما، قاما بإطلاق النار داخل المدرسة فقتلا 12 طالباً من زملائهما،.

إضافة إلى أحد المدرسين. بينما يقع بعض هذه الهجمات من قبل عسكريين سابقين، مثل الحادث الذي وقع داخل مقر قيادة الأنظمة البحرية في العاصمة واشنطن الأسبوع الماضي، وأدى إلى مقتل 12 شخصاً، على يد جندي البحرية الأميركية السابق "آرون ألكسيس"، الذي عثرت الشرطة على جثته، دون أن تعرف إن كان قد انتحر أم قتل برصاصها.

في حين يقع بعض الهجمات من أناس عاديين، مثل حادث "سان يسيدرو" في كاليفورنيا، الذي قام خلاله "جيمس هوبرتي" بإطلاق النار داخل أحد مطاعم "ماكدونالدز"، مما أسفر عن سقوط 21 قتيلاً بينهم عدد من الأطفال، قبل أن تتمكن الشرطة من قتله، بعد نحو ساعة من تبادل إطلاق النار!

حوادث وهجمات إن دلت على شيء فإنما تدل على أمراض نفسية، هي أشد خطورة على المجتمع من الأمراض العقلية، يجب على حكومات تلك الدول أن تخصص قدراً كبيراً من جهودها وأموالها للتخلص منها، لأنها واحدة من أهم عوامل ومظاهر التعاسة التي يجب أن توضع على رأس المعايير التي يتم على أساسها تصنيف الدول والشعوب إلى سعيدة وغير سعيدة.

ومثل تلك الهجمات، يجب أن تمثل معدلات الانتحار أيضاً معياراً آخر من معايير التعاسة، ففي سويسرا التي تحتل المرتبة الثالثة في تصنيف الدول الأكثر سعادة، بعد الدنمارك والنرويج، هناك من 3 إلى 4 أشخاص يقدمون على الانتحار يومياً! هذا العدد يمثل ما نسبته 19.1 فرداً لكل 100 ألف من السكان، ويبلغ عدد المتوفين انتحاراً سنوياً في سويسرا 4 أضعاف عدد من يلاقي حتفه في حوادث الطرق،.

حيث يصل عدد المنتحرين من 1300 إلى 1400 شخص، بينما بلغ عدد الذين لاقوا حتفهم في حوادث طرق عام 2008، على سبيل المثال، 357 شخصاً. وتعود نسبة أكثر من 90% من حالات الانتحار إلى أمراض نفسية، يشكل الاكتئاب 60% منها!

أجمل ما في تقرير "السعادة في العالم" لعام 2013، أن الإمارات احتلت المركز الأول عربياً، متقدمة على كل من السعودية والكويت وقطر، وهي الدول العربية الثلاث التي جاء اسمها، إلى جانب اسم الإمارات في التقرير، بينما احتلت المركز الرابع عشر عالمياً، متقدمة على الولايات المتحدة الأميركية التي احتلت المركز السابع عشر في القائمة.

وبريطانيا التي احتلت المركز الثاني والعشرين، وفرنسا التي احتلت المركز الخامس والعشرين، وألمانيا التي احتلت المركز السادس والعشرين، واليابان التي احتلت المركز الثالث والأربعين.

هل تعيدنا هذه النتيجة إلى سؤال المواطن الليبي الذي كان يشارك في حوار إذاعة "بي. بي. سي" العربية الذي بدأنا به المقال؟ أم أنها تطرح علينا سؤالاً عن أسباب احتلال الإمارات هذه المرتبة، وتقدمها على دول أكبر منها حجماً، وأسبق منها إلى التعليم، والنهضة، والحضارة، والثروة؟

كلا الأمرين صحيح، وكلاهما سوف تجدون إجابته في قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم "أسعد شعب"، التي أحيلكم إليها إذا كنتم تبحثون عن الإجابة الشافية.