بعد أن خرجت اليابان مهزومةً في الحرب العالمية الثانية ومثقلة بالحطام والخسائر والديون ودمار البنية التحتية، لم تُضِع وقتاً في البكائيات التي لا يجيدها سوى أغلب العرب، ولم تتنصّل من مسؤولياتها لتملأ ما بين الخافقين ضجيجاً بتآمر الآخرين عليها، بل تمالكت نفسها سريعاً كعادة الكبار ووضعت قائمة أهداف واضحةً ممكنة القياس لكي تعود للعالم من باب الانتصار الكبير!

كان الهدف الأكبر أن تكون اليابان أحد أقوى اقتصادين اثنين في العالم، فعمدت إلى تحديد هدف فرعي لكل عشر سنوات، في الخمسينات بأن تكون الرقم واحد عالمياً في صناعة النسيج وحققته.

وحدّدت لعقد الستينات أن تكون الرقم واحد عالمياً في صناعة الصلب وحققته أيضاً، ولعقد السبعينات أن تصبح الرقم واحد في صناعة محركات السيارات وحققته بالضبط عام 1980، ثم وضعت هدفاً بأن تكون الرقم واحد في الصناعات الإلكترونية لعقد الثمانينات وحققته أيضاً!

ورغم حالة الكساد التي مرّت بها في العقدين الأخيرين إلا أنّ اقتصادها ما زال ثالث أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة والصين بناتج قومي اجمالي يبلغ 5.150 تريليون دولار ، وما يهمنا هنا ليس المراكز التي تم تحقيقها ولكن ما أوصل لتلك المراكز وما هي المحفزات التي تنهض بأُمم .

وتلك التي ترتكس بأُممٍ أخرى، وكيف ينهض البعض من ركام الخسائر ليُحلّق عالياً وكيف يتردى البعض من قمّةٍ كان عليها لأنه افتقد المحرّك الرئيسي لذلك التحليق ونسي في غفلةٍ من الزمن ذاك الحافز الوحيد الذي لا تقوم لناجحٍ دونه قائمة، فلا فائدة من موارد وثرواتٍ بشرية ومادية ولوجستية إن لم يكن حاضراً، ولا معنى لعشرات الاستراتيجيات والخطط الطموحة إن لم يكن هو وقودها الذي يجب التأكد من تواجده، ذاك هو ما يُسمّى: حس الطوارئ.

حس الطوارئ هو أن تشعر أنّ أمامك خيارين: إما أن تتحرّك بأقصى ما عندك وكأنّك تستشعر خطراً عظيماً يُداهمك، أو أن تنتهي وتكون ضحية لتقلبات الظروف وترضى لنفسك أن تكون خليلاً للفشل ومثالاً حيّاً لِسَقَط المتاع والذي لا يستحق أن يكون حتى (تفق برزة)، ولئن كان إشعال ذلك الحِس ممكناً ومبرراً في المؤسسات الربحية .

والتي يؤدي غيابه عنها إلى خسارتها أمام منافسيها لافتقادها لتلك الشعلة من الحماس التي تمنع مديريها من النوم ليلاً رغبةً في خلق مستقبلٍ مختلف لمؤسساتهم وتفكيراً بإيجاد ميزة تنافسية تجعلهم يبزّون أقرانهم، إلا أنّ المعضلة الكبرى تواجه المؤسسات اللا ربحية وبالتحديد المؤسسات والأجهزة الحكومية.

والتي يكاد ينعدم في أكثرها حس الطوارئ هذا، فالوظيفة مضمونة والراتب لا يمكن المساس به والمؤسسة بأكملها ستبقى موجودة سواءً ناجحة كانت أم غير ناجحة، فما الذي سُيحفّز الموظف ليُضاعِف جُهده ويتحدى قدراته ويعمل المستحيل لتغيير واقع المؤسسة وأدائها إن كان آمناً على وضعه وكما يُقال (الحمد لله آكلين شاربين ويا رب لا تغيّر علينا)!

افتقاد الحافز الداخلي هذا والذي لا تفرضه ضرورة الحفاظ على كيان المؤسسة من التلاشي، كما هو الحال في القطاع الخاص، هو ما دعا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لإيجاد محفز خارجي ضاغط لكي يُشعل هذا الحس في أوصال مؤسسات الحكومة الخَدَمية.

فكان التصريح الأول بداية الأسبوع الماضي موجّهاً لكل وزارات الحكومة بأن تختار كل وزارة مؤشراً معيناً من مؤشرات أدائها المؤسسي وخلال 12 شهراً لا بد أن يكون ذلك المؤشر هو الأول عالمياً على لائحة مؤشرات التنافسية العالمية، ثم أعقب ذلك بوضع جامعة الإمارات أمام تحدٍ كبير بالتقدّم عشرة مراكز كل عام في قائمة التصنيف العالمي لأفضل 500 جامعة.

إنّ تصويب أداء المؤسسات الحكومية وإلزامها بتشغيل كافة أسطوانات محركاتها هو أمرٌ مُلِحّ لأي أُمّةٍ ترى نفسها جديرة بأن تزاحم دول النُخبة بالأكتاف، أمّا تلك المؤسسات التي تقوم أعمالها على ردّات الفعل اللحظية وسياسة إطفاء الحرائق فلن تعدو أن تكون مؤسسات في مرحلةٍ أقرب للموتٍ السريري .

ولا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تُسْهِمَ في رِفعة وطن، فلم يَعُد أحدٌ يعبأ بتلك التقارير الصحافية الـمُلمّعة أو بكلامِ مديرٍ يمتدح مؤسسته، إذ لم يسبق في تاريخ البشرية برُمّتِه أن سمعنا أحداً يذم عمله حتى لو كان دون مستوى الطموح، فما نريده هو الأرقام.

وتحديداً تلك الأرقام غير المجتزأة أو المنتقاة مما يخرجها عن دلالتها وسياقها الصحيح، فذكر عائد كبير لا معنى له ما لم يذكر معه حجم النفقات حتى يُعرَف موقف المؤسسة الربحي بطريقة لا يشوبها لبس أو تدليس، وتحديد المركز الذي أريده لا يمكن المساومة عليه أو الاختلاف في تأويله بخلاف من يضع هدفه (الريادة) فتلك الكلمات المطاطية لا تُعطي صورة واضحة ولا أمراً يمكن ترجمته لأرقامٍ واضحة.

عن نفسي ما زلت دوماً أكبر المؤمنين بأنّ ما لا يمكن قياسه لا يمكن تحسينه ولا إدارته بطريقةٍ سليمة، وكل هدف يمكن قياسه لا معنى له أيضاً ما لم يكن مؤطراً بجدولٍ زمني واضح لتوقيت بدايته وإنجازه.

فوضوح الهدف ومنطقيته ووجود توقيت له هي الأسس التي يقوم عليها حس الطوارئ وهو ما يجب أن يتم حقنه باستمرار في ثقافة المؤسسات الحكومية لِتُسهم في اختصار المراحل الزمنية التي تحتاجها الدولة لتصل للمكانة التي تليق بها، ولنجد شخصاً في مقبل الأيام يتحدث عن معجزة الإمارات، كما تحدثتُ في ديباجة مقالي عن معجزة اليابان!