بادىء ذي بدأ أرجو أن لا يعتبر القارىء أن عنوان هذه المقالة ينطبق على واقع الولايات المتحدة بالمطلق، فالضعف في قبضة هذه الدولة ليس غير حالة طارئة. إلا أني وجدت هذا العنوان مناسبا لمقال أتحدث فيه عن سياسات إدارة الرئيس أوباما الخارجية منذ مجيئه إلى سدة الحكم. فإحجامه عن إتخاذ قرارات تنفيذية حاسمة أكسبه مسمى "المحارب المتردد" في الأوساط الأميركية بعد أن أضفت عليه صحيفة "لوس أنجلس تايمز" هذا اللقب الذي يستحقه عن جدارة.
والحقيقة أن ما أكسب الولايات المتحدة هيبتها على مدى أكثر من نصف قرن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كدولة عظمى مرهوبة الجانب ليس تفوقها العسكري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي فحسب وإنما عدم ترددها في إتخاذ قرارات حاسمة والمضي قدما في تنفيذها سواء حظيت هذه القرارات بغطاء الشرعية الدولية أم لم تحظ به.
الرئيس أوباما يحرص على الالتزام بالأجندة التي أتت به إلى البيت الأبيض وهي الوقوف ضد الحروب وتحشيد الرأي العام ضدها وقد أبلى في ذلك أشد البلاء. إلا أنه وجد نفسه، رغم إرادته، في موقف يتطلب موقفا مغايرا، وهو تحشيد الرأي العام لمساندته في عمل عسكري يزمع القيام به ضد سوريا، وكان أداؤه في ذلك يرثى له.
ترتكز السياسة الخارجية لإدارة الرئيس أوباما على مبدأ العمل المشترك مع حلفاء الولايات المتحدة، واستبعاد المواقف الأحادية الجانب، فعشية التوقع بصدور القرار بتوجيه الضربة العسكرية إلى سوريا وجد الرئيس أوباما، لحسن حظه، أن أقرب حلفاءه قد تخلى عنه. حيث أخفق رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في الحصول على مباركة مجلس العموم لصالح توجيه الضربة العسكرية.
كان هذا النكوص بداية لسلسلة من التراخي في مواقف الغرب شلت قدراته على اتخاذ إجراءات تتفق مع التصريحات القوية التي أطلقها قادته في حال تجاوز النظام السوري الخطوط الحمراء واستخدام السلاح الكيمياوي.
فقد تراجع الرئيس الأميركي عن اتخاذ قرار الضربة العسكرية، وهو من صلاحياته الدستورية، وأحال سلطة التخويل باتخاذ القرار النهائي إلى الكونغرس، الذي كشفت المناورات التي جرت في أروقته أن فرصة أوباما في الحصول على التخويل ليست واعدة.
وزاد الموقف تعقيدا ورخاوة حين تفوه وزير الخارجية الأميركي بعبارات لا أحد يجزم إن كانت مقصودة، كجزء من سيناريو للخروج من المأزق الذي وضع الرئيس أوباما نفسه فيه، أم أنها كانت عفوية.
فالوزير أجاب في مؤتمر صحافي ردا عن سؤال حول ما الذي على سوريا فعله لتجنب الضربة العسكرية، قائلا ان عليها تسليم سلاحها الكيميائي إلى المجتمع الدولي.
تلقفت الخارجية الروسية فورا هذه العبارة لتصنع منها مبادرة وافقت عليها الحكومة السورية خلال فترة زمنية قياسية لا تتجاوز الساعة، ولتحظى بموافقة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين. هذه المبادرة تتلخص في وضع الأسلحة الكيمياوية التي تمتلكها سوريا تحت تصرف الأمم المتحدة، وانضمام سوريا إلى اتفاقية حظر استخدام الأسلحة الكيمياوية.
وأصبح الحديث في الأوساط الدولية منذ ذلك الحين يدور حول هذه المبادرة التي أبعدت الأنظار عن جوهر الصراع القائم في سوريا، والمسؤولية الدولية عن استمراره واستمرار تداعياته على وضع المدنيين وعلى دول الجوار التي تدفق إليها ملايين الهاربين من جحيم المعارك، واختزلته في ملف الأسلحة الكيمياوية التي قتل بسببها ألف وأربعمئة شخص، في حين قتل في الحرب القائمة منذ ثلاثين شهرا ما يزيد على المئة ألف حسب تقديرات الأمم المتحدة.
روسيا على علم تام بأن النظام السوري هو من استخدم السلاح الكيمياوي إلا أنها تسعى جاهدة للعمل على عدم حصول الضربة العسكرية فذلك يعرض قدراتها على المستوى الدولي للاختبار لأنها غير قادرة على عمل شيء غير التصريحات.
أجهدت الدبلوماسية الروسية نفسها كثيرا في القضية السورية، وأتعبها النظام القائم في دمشق، ولم تعد تجد حججا جديدة تبتكرها لتبرير موقفها في رفض اتخاذ موقف حازم إزاءه. وليس من التجاوز على الحقيقة القول ان هذا النظام قد أصبح عبئا على روسيا التي أصبحت في الآونة الأخيرة من يتولى قيادته بشكل مباشر بغية عدم التورط بالمزيد من المطبات.
وتحولت العلاقة بين موسكو ودمشق إلى ما يقرب من العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، إذ بدأت موسكو تصدر أوامر لدمشق تتطلب التنفيذ على الفور وقد كان ذلك واضحا في الأجواء التي تم فيها طبخ المبادرة الروسية على عجل.
المبادرة الروسية أنقذت الرئيس أوباما وليس الرئيس السوري فحسب، فهو في دخيلة نفسه غير راغب في إصدار قرار حربي حتى لو كان هذا القرار يتعلق بتوجيه ضربة محدودة لسوريا مع علمه بأن ذلك يتعارض مع مصالح بلاده.
إن استعرضنا أسماء الرؤساء الأميركيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ابتداء بالجنرال آيزنهاور الذي بدأت في فترة رئاسته الحرب الكورية، وانتهاء بالرئيس السابق جورج بوش (الابن) الذي خاض حربين في أفغانستان والعراق، نجد أن جميع هؤلاء الرؤساء صدرت عنهم قرارات بشن حروب.
الرئيس أوباما هو المتفرد بينهم، فقد انسحبت قواته من العراق بشكل مبكر أربك الوضع الأمني فيه، وهو على وشك أن يخلي مواقعه في أفغانستان، فهو من هذا المنظور يعتبر أكثر الرؤساء انشغالا بقضايا بلده الداخلية.
راسمو الاستراتيجيات الأميركية يقلقهم تردد الرئيس أوباما فهم قلقون على المكاسب التي تحققت منذ نهاية الحرب الباردة، حيث أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم.
فالرخاوة التي يبديها الرئيس في التعامل مع الملف السوري تضعف من هيبة الولايات المتحدة وتشجع دولا أخرى على المضي قدما في برامج مثيرة للجدل ضالعة في تنفيذها على الرغم من رفض الأسرة الدولية. فعلى المستوى الدولي، الولايات المتحدة تواجه روسيا المتحفزة لتوظيف كل ضعف أميركي لصالحها.