تغيير حقيقي حدث في ثقافة الشباب الاجتماعية وفي فكرهم ونظرتهم للأمور وهو تغيير ملحوظ على كل الصعد.
فلم يعد الكثير من الشباب بعد تخرجهم ينظرون فقط الى شغل منصب المدير أو عمل مكتبي لا يتطلب حركة أو مجهودا كبيرا بل أصبح الكثير من الشباب يقبلون على التحدي ويطمحون في عمل حقيقي يظهر قدراتهم ومهاراتهم المهنية وله مردود على شخصيتهم وعلى مجتمعهم، حتى ولو كان ذلك العمل شاقا ومتعباً ويتطلب ساعات عمل طويلة.
أصبح الكثير من الشباب يفكرون في خوض مجالات مهنية جديدة واقتحام حقول لم يكن من قبلهم يفكرون في اقتحامها. وكأنموذج لهذا التغير خبر أوردته الصحف مؤخرا عن تعيين حوالي 300 شاب وشابة إمارتية، وذلك بعد تدريبهم، للعمل في محطات البترول وبعض المهن الأخرى في القطاع الخاص كالمراكز التجارية مثلا.
هؤلاء الشباب هم نتاج مبادرة "أبشر" التي تهدف للتوطين كما تهدف الى تثقيف الشباب ودفعهم للعمل في مهن لم يكونوا من قبل ليقبلوا عليها. هذا التغير في ثقافة الشباب هو تغيير ايجابي وهو ما نحتاجه فعلا للمرحلة القادمة من مراحل تطورنا.
مبادرة "أبشر" مبادرة جيدة وقد أتت ثمارها، واستطاع مئات من الشباب المواطن الحصول على فرصة عمل حقيقية بعد تخرجهم، خاصة في القطاع الخاص. ولنكن صريحين فقبل عقود قليلة لم تكن فكرة عمل الفتيات المواطنات أو حتى الشباب في القطاع الخاص مقبولة، وقد بينت الدراسات أن سبب عدم الاقبال مرده ساعات العمل الطويلة وقلة العائد المادي مقارنة بالقطاع العام.
ورغبة الكثيرين في عمل حكومي مردوده كبير وساعات عمله محددة، هذا الوضع أثمر عن وضع مهني مختل. فقد سيطرت العمالة الاجنبية على معظم مجالات القطاع الخاص بينما رمت العمالة المواطنة بثقلها في القطاع العام. وحتى هذا القطاع فقد تركزت العمالة المواطنة في الواقع في المراكز القيادية والعليا تاركة المراكز الصغرى لكي تحتلها العمالة الخارجية.
كانت النظرة الاجتماعية للقطاع العام بأنها "بريستيج" أو الوجاهة الاجتماعية بينما كانت النظرة دونية لمن يعمل في القطاع الخاص. ولكن التغير الحاصل في ثقافة الشباب ودفع الدولة لملف التوطين دفعا كبيرا أدى الى دفع مجموعة من الشباب الطامح في تحسين مستوى حياته المهنية الى القطاع الخاص والى مهن جديدة نسبيا مثل محطات البترول والمراكز التجارية.
وعلى الرغم من أن هذه الخطوة قد سبقتنا اليها بعض دول الخليج الأخرى كسلطنة عمان والبحرين، حيث تجد شبابا مواطنين من تلك الدول يعملون في تلك المهن وبكل جدارة وفخر، الا أن مجتمعنا، وتحت غطاء مظلة الرفاه الاجتماعي، ظل الشباب فيه بعيدين كل البعد عن الكثير من المهن وعلى رأسها القطاع الخاص .
والذي ظل حكرا على العمالة الاجنبية. ولكن التغير الحاصل في الثقافة الاجتماعية بالإضافة الى الاجراءات العديدة والتشريعات المختلفة التي سنتها الدولة قد شجعت العديد من الشباب على ارتياد تلك القطاعات والقبول بها والمضي قدما في تحقيق إنجاز كبير في القطاع المهني.
التغير الحاصل في ثقافة الشباب الاجتماعية ضرورة لمجتمعنا. فحالة الرفاه الاجتماعي ومسؤولية الدولة عن توفير كل شيء لم يعد ممكنا ولن يستمر طويلا بل أصبح شيئا من الماضي. فالكثير من الخبراء الاجتماعيين قد حذروا، ومنذ زمن طويل، من قضية بقاء العديد من المهن حكرا على العمالة الاجنبية نتيجة الثقافة الاجتماعية السائدة آنذاك.
والتي كانت تأنف من الاعمال اليدوية ومن العديد من المهن التي تتطلب مجهودا شاقا وساعات عمل طويلة. الكثير من الخبراء نادوا ومنذ زمن بإدماج الشباب في القطاع الخاص وتدريبهم على شغل العديد من المهن التي كانت حكرا على العمالة الوافدة.
وذلك في إطار الاستقلالية الاقتصادية المطلوبة والاعتماد على النفس وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب. لذا أصبح القطاع الخاص مجالا ليس فقط مرغوبا دخوله واقتحام كل كواليسه بل وضرورة وطنية بعد أن انعكس إحجام المواطن عنه على قضايا وطنية كبرى كالتركيبة السكانية واختلال سوق العمل والبطالة وغيرها من القضايا الكبرى.
نعم نحن في حاجة الى تغيير الثقافة الاجتماعية وإزالة النظرة الدونية الى العديد من القضايا والمهن واستبدالها بأخرى إيجابية تقبل القسمة على اثنين بل حتى على ثلاثة. فلا للبطالة ونعم لكل فرص العمل الشريف مهما صغر موقعه وقل مردوده المادي. فليس أجمل من البدء من الصفر وليس هناك أجمل من العطاء اللامحدود للوطن وليس هناك قضية أجمل من تلك التي نحملها على أعناقنا، وهي رد الجميل لهذا الوطن الذي أعطانا بلا حدود.