تشهد العلاقات الأميركية الروسية تدهوراً لعله الأبرز منذ نهاية حقبة الحرب الباردة، انعكس في التداعيات الدبلوماسية التي أعقبت الإجراء الذي اتخذته روسيا بمنح حق اللجوء المؤقت للأميركي إدوارد سنودن، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركي، والذي سرب بعض الوثائق الهامة حول عمليات تجسس تقوم بها الوكالة على حلفاء الولايات المتحدة، مما سبب توترا في العلاقات الأميركية مع بعض دول الاتحاد الأوروبي.

 وترتب على الخطوة الروسية، إقدام الرئيس الأميركي أوباما على إلغاء لقاء القمة الذي كان مقررا مع الرئيس الروسي مطلع سبتمبر الجاري في موسكو. ولم يغب عن أنظار الراصدين ملاحظة مدى الجفاء بين الرئيسين في اللقاء القصير والبارد، الذي جمعهما على هامش قمة العشرين التي عقدت في بطرسبرغ مؤخرا.

لم تخلُ تصريحات أبرز المسؤولين في الدولتين من التعريض ببعضهما، فقد اعتبر رئيس الحكومة الروسية ديمتري ميدفيديف أن "الغرب" يتصرف في ما يخص الوضع في الشرق الأوسط، مثل "فيل في متجر خزف صيني يحطم ولا يعرف كيف يتعامل بعد ذلك"، وهو بهذا القول يقصد الولايات المتحدة وإن لم يذكرها بالاسم.

مقابل ذلك كان الرئيس الأميركي أكثر مباشرة، حين وصف الرئيس الروسي بالقول "إنه يبدو أحيانا أشبه بطفل غير مبال يجلس في آخر الحجرة الدراسية". ثمة أمر آخر فيه بعض الدلالات على أن العلاقات بين الرئيسين على المستوى الشخصي أصابها الكدر.

فقد حزن الرئيس الأميركي حين وجد أن الرئيس الروسي قد حذف اسمه من قائمة الأصدقاء في صفحته على الفيسبوك مبقيا اسم نائبه بايدن ضمن القائمة، مما جعل الرئيس أوباما يعامل الرئيس بوتن بالمثل ويحذف اسمه. والحقيقة أن هذا الجفاء على مستوى العلاقات الشخصية بين الرئيسين، قد يكون له بعض الانعكاس على القرارات التي تتخذ في كل من واشنطن وموسكو، وذلك لما لهما شخصيا من صلاحيات واسعة.

خلافات روسيا مع الغرب وبشكل أكثر تحديدا مع الولايات المتحدة، ليست قليلة وليست جديدة، فروسيا قد ورثت الاتحاد السوفيتي وورثت الكثير من خلافاته، إلا أنها خسرت الكثير من الثقل والجاذبية التي كانت لديه على المستوى الدولي.

ومع أن هذه الخلافات تتعلق بتباين المواقف من قضايا كثيرة في مناطق عديدة من العالم، إلا أن الشرق الأوسط يبقى المنطقة الأكثر إثارة وسخونة وتأجيجاً للخلافات بينهما. وقد تصاعدت حدة الخلافات منذ قيام الولايات المتحدة باحتلال العراق، أحد حلفاء الاتحاد السوفيتي ثم روسيا لاحقا، ثم توسعت وتعمقت مع مجيء الربيع العربي، حيث فتحت أكثر من جبهة للاحتكاك، وتبلورت هذه الخلافات بشكل أكثر وضوحا مع عودة بوتين إلى منصب الرئاسة ثانية.

الخلافات بين الدولتين تفاقمت في الآونة الاخيرة بشكل جد ملحوظ، بسبب التباين الكبير في المواقف من الحرب الدائرة في سوريا، خاصة بعد ما حدث في الحادي والعشرين من أغسطس المنصرم، حين جرى استعمال السلاح الكيميائي بصورة واسعة أرعبت الرأي العام الدولي لبشاعة ما أحدثته في ريف دمشق. فالولايات المتحدة، مدعومة من الغرب ومسنودة من الجامعة العربية، توجه إصبع الاتهام للنظام السوري .

وتدعو إلى ردعه عسكريا وتتهيأ لذلك بمفردها إن تطلب الأمر، في حين تصر روسيا على عدم وجود أدلة كافية لهذا الاتهام وعلى تبرأة النظام، متهمة قوى المعارضة بفعل ذلك، فالنظام السوري آخر من تبقى لها من حلفاء في المنطقة.

هناك أكثر من مسرح للاحتكاك بين الدولتين، منها مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة وقمة الثمانية الكبار وقمة العشرين، وغيرها من المنظمات التي للدولتين عضوية فيها. إلا أن مجلس الأمن الدولي هو الأكثر أهمية، نظرا للوضع القانوني الذي يتمتع به على المستوى الدولي، حيث إن قراراته ملزمة وفق ميثاق الأمم المتحدة.

وقد حرصت روسيا على استخدام حق الفيتو في هذا المجلس لإعاقة الكثير من السياسات التي كانت الولايات المتحدة تعتزم انتهاجها، من خلال استصدار قرارات بشأنها في سوريا وفي غيرها، مما أصاب المجلس بالشلل في الكثير من الحالات.

لكن ذلك لم يفتّ في عضد الولايات المتحدة، بل عمدت في أكثر من مناسبة في السابق إلى الالتفاف على المجلس والاستغناء عن قراراته، وتنفيذ مشيئتها عبر تشكيل تكتل أو تحالف من عدد من الدول، أو من خلال حلف الناتو كما حدث في سيناريو تفكيك الاتحاد اليوغسلافي في تسعينيات القرن المنصرم.

في جميع جبهات الاحتكاك التي حدثت بين الموقفين الأميركي والروسي، في البوسنة والهرسك وفي كوسوفو وفي صربيا ثم في العراق وبعد ذلك في ليبيا، شهدنا روسيا تنكفئ وتقر بالهزيمة، فقد كانت الإرادة الأميركية هي الغالبة وذلك لعدم وجود توازن حقيقي يفضي إلى حلول توفيقية بين الدولتين.

هذا إضافة إلى أن حلفاء روسيا أو من تضفي عليهم حمايتها، لديهم إشكالات كثيرة مع شعوبهم ومع الأسرة الدولية ولا يلقون تعاطفا منها. روسيا تحرص على إدامة تنافسها وتناكفها مع الولايات المتحدة على المستوى الدولي، وتضع نفسها دائما في موقع الخاسر، لأنه تنافس يفوق قدراتها. فالولايات المتحدة تمتلك قصب التفوق العسكري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، ولديها الموقع المتميز في المحافل الدولية.

ولديها القدرات على تحشيد الرأي العام العالمي بالتعاون مع حلفاء أقوياء في منطقة الشرق الأوسط. النزال بين الطرفين حول قضية سوريا لن يكون استثناء من ذلك، حيث سنشهد تكرار سيناريوهات المواجهات السابقة. فروسيا في نهاية المطاف لن تكون قادرة.

كما كانت دائما، إلا على التراجع والنكوص، فليس في قدرتها إنقاذ النظام القائم من السقوط الحتمي، وليست المبادرة الروسية الأخيرة التي حظيت بقبول فوري من قبل النظام السوري بنزع سلاحه الكيميائي وانضمام سوريا إلى اتفاقية تحريم الأسلحة الكيميائية، غير مناورة لكسب الوقت بعد أن أصبح النظام السوري محصورا في ركن ضيق جدا.