تثبت أجهزة الأمن والمؤسسات الشرطية العاملة في الدولة، أنها قادرة باستمرار على تقديم نموذج ريادي ناضج، يستطيع المزج باحتراف عالي المستوى بين تطبيق أعلى درجات العمل الأمني والالتزام بأهدافه وغاياته.
وبين تحقيق أرقى معايير التعامل الحضاري الإنساني والتعهد بقيمه وثوابته، لتقدم في النهاية صورة متكاملة من جميع الأوجه، تفخر بما تضيفه على المجتمع من أمن وأمان، بقدر افتخارها بما تقدمه أيضاً من نموذج حضاري راق.
ليس تنظيراً في الهواء ما نصف به أجهزتنا الأمنية ومؤسساتنا الشرطية عبر إمارات الدولة، فالواقع يقف كل يوم شاهداً على صدق هذه الحقائق، ولولا البعد الإنساني العميق الذي تنعم به فلسفة العمل الأمني في الدولة، لما لمس القاطنون على أرضها تلك الفضيلة العظمى التي تتشكل من مزيج الأمان والاستقرار والكرامة الإنسانية.
وما يميز تعامل الدولة مع القضايا، لا سيما تلك التي يطلق عليها «الحساسة» بالمنظور الأمني، أنها لا تخلط الأوراق أبداً، ولا تجعل الذرائع الواهنة سبيلاً إلى سلب الناس أمنهم أو استقرارهم أو كرامتهم الإنسانية، وهو ما نلمسه ونراه يومياً في كثير من الدول.
بل إنها تجعل من كل قضية أمنية منصة ومنبراً لتقديم ما تنعم به من كنوز حضارية وإنسانية للعالم، ولتقول بلسان الحال وليس بلسان المقال إن: الإنسان أغلى من المكان، وإن أخطاء البعض لا تعني أن كل من اقترب من ساحتهم مدان مثلهم.
فكم رأينا أناساً أدينوا في قضايا مختلفة ومنها قضايا تتعلق بأمن الدولة، ورأينا مع ذلك أن أسرهم تنعم بكامل حقوقها الحياتية والمعيشية، وتقدم الدولة لأفراد تلك الأسر جميع الخدمات كأي فرد من أبناء المجتمع، لا يقلل من حظهم في العيش الكريم أو المساواة مع الآخرين، ما جناه عليهم فرد من أفراد أسرهم.
وهي مسألة يعرف أهميتها وجوهر الرقي فيها من اطلع ولو من طرف خفي على ما يجري في كواليس بعض الدول، حين تتعامل مع ذوي أحد المدانين في قضايا ما يسمى «أمن الدولة»، فتصبح العائلة والآباء والأحفاد والقريب والجار والصديق، متهمين وملاحقين ومدانين.
نعم، هذه هي فلسفة الرقي الأمني الإماراتي، المراعية لأعلى معايير حقوق الإنسان من دون مزايدة أو استعلاء، ومن دون انتظار الثناء على أخلاق هي في جوهرها جزء أصيل من طبيعة أبناء الإمارات.
قبل أيام تناقلنا خبر حادثة المرأة المهووسة التي زعمت أنها تحمل متفجرات ستنسف بها نفسها ومن يدنو منها في نيابة دبي، وقفنا على أعصابنا من غرابة التجربة على مستوى الإمارات، وهو ما لم نعتد عليه في مجتمعنا الآمن المستقر بفضل الله تعالى، ولكننا كنا في نفس الوقت نجمع نقاط التميز الاحترافي والنضج الإنساني مع كل دقيقة كانت تمر في مفاوضة المرأة المهددة لأمن جهة حكومية ولزائريها ومراجعيها.
فعلى مدار ساعات المفاوضات التي امتدت لأكثر من ثلاث عشرة ساعة متواصلة، وشارك فيها فريق تفاوضي عالي المستوى كان من ضمنه نائب القائد العام لشرطة دبي اللواء خميس المزينة، لم يكن البعد الإنساني غائباً للحظة عن الفريق المفاوض، المقدر لوضع المرأة الإنساني ودوافعها الأسرية البعيدة، إلى أن انتهت القضية بنجاح باهر، وقفزة حضارية واسعة أحسنت إنجازها أجهزتنا الأمنية.
لكننا نعتبر أن إيجابية هذه التجربة وغيرها من التجارب الأمنية التي خاضتها أجهزتنا الشرطية على مستوى الدولة، لم تكن على الصعيد الاحترافي المؤسساتي الأمني فحسب.
بل صاحبها ويصاحبها على الدوام تألق حضاري عام على مستوى الجمهور في الدولة، عبر تغريداته وتدويناته ومتابعاته لمثل هذه الحوادث، وهو ما يدل على الوعي العام بالدور الأمني والمصلحة العليا للبلاد، وعدم الانجرار وراء الناعقين المستغلين لأي حادث أمني بسيط، لينفخوا فيه ويطيروا به في الشرق والغرب.
بل كان أغلب المتابعات في طريق العقلانية المجتمعية، والحكمة والرويّة، حتى لا يقع المجتمع في مصيدة الشائعات. ولذلك ذهب كل محاولات المشككين في كفاءة أجهزتنا الأمنية أدراج الحسرات والندم، حين وجدوا حجم الثمار التي قطفها المجتمع من مثل هذه الحوادث.