نشأنا على أن الولد ابن أبيه، وأن من شابه أباه فما ظلم، وكانت الزيجات في زمن فات، تتم بالنظر إلى البيت والعائلة قبل الشخص، باعتبار التأثير الكبير للوالدين في قيم وأخلاق أبنائهم بشكل قاطع، ومن منطلق الحب والالتزام لا القهر والخوف، والأبناء بدورهم يورثون تلك القيم والسلوكيات للأبناء، وهكذا دواليك، يوم أن كانت الأسرة معنية بتنشئة الأبناء.
ثم انفتحت السماوات وتعددت المصادر التي تلعب دوراً فاعلاً في تربية الأبناء، بل أقول، تراجع دور الأسرة وتقدم غيرها، مثل التليفزيون ومشتقاته من ألعاب إلكترونية وشبكة عنكبوتية، تعج بمختلف أدوات الجذب، حلوها ومرها، حتى بات للأبناء عوالم متعددة يصنعونها لأنفسهم بأنفسهم، وما يقضونه فيها أكثر بكثير مما يقضونه في عالمهم الواقعي، وصار الحديث بين الآباء والأبناء في الأوقات التي يفرغون فيها من هذه الأدوات وهي قليلة، كما أنه أصبح صعباً أن تجمعهم مائدة طعام واحدة، في ظل الانشغال الدائم للأب.
أقول هذا بعد رؤية التقرير الوارد من "سي إن إن" منذ أيام قلائل، والذي جاء فيه أن سلطات ولاية لويزيانا في الولايات المتحدة الأميركية، قالت إنّ طفلاً في الثامنة من العمر، أطلق الرصاص على جدته، بعد أن أنهى لعبة فيديو عنيفة.
والقتيلة تدعى "ماري سموثرز"، وهي في الـ 87 من العمر، لفظت أنفاسها في عين المكان. وأوضحت التحريات أنّ السلاح الناري كان ملك القتيلة، التي كانت بصدد مشاهدة التلفزيون عندما فاجأها الصبي من الخلف وأطلق الرصاص على رأسها.
وقال الصبي للمحققين أولاً، إنّه أطلق الرصاص بطريقة عرضية غير مقصودة، عندما كان يقوم بألعاب نارية، غير أن المحققين توصلوا لاحقاً إلى أنه قام بذلك عن قصد.
ولن يخضع الطفل لأي محاكمة، ولن تتم ملاحقته، حيث إن قوانين الولاية لا تسمح بذلك. وقال مسؤول إن الأمر يتعلق بطفل لا يعي ما يفعل، مضيفاً أنّ علاقة الصبي بالقتيلة كانت مثالية، إلا أنه علم أن الصبي كان قد أنهى لتوه لعبة فيديو تشجع على العنف، وذلك قبل أن يقوم بفعلته بدقائق فقط.
وعاد الجدل مؤخراً بقوة، بشأن التأثيرات السلبية لألعاب الفيديو العنيفة على الأطفال، ولا سيما أن هذه الحادثة وغيرها كثير تجعل أطفالنا عرضة لخطر لا يقل في تأثيره عن أخطار المخدرات، التي يتعرض لها الشباب في عالمنا العربي، لأن محصلتهما واحدة، وهي الذهاب بالعقل..
بل أقول إن هذا النوع من البرامج قد يفوق في خطورته المخدرات، التي تسيطر على من يتعاطاها وقت التعاطي، ثم يعود إلى وعيه، غير أن تلك المشاهدات تؤثر في عمق التركيبة النفسية للفرد وفكره وسلوكه اليومي مع من حوله، سواء أصدقاء الدراسة أو حتى معلميه. وهنا، لا ننسى ما حدث أواخر العام الماضي، عندما قتل طفل أميركي ما لا يقل عن 26 شخصاً، يعتقد أنه كان ساعتها تحت تأثير لعبة فيديو عنيفة.
الخطورة في هذه الألعاب، أنها تجعل من العنف غاية في حد ذاته، فهو عنف للعنف، كما أنها تجعل أبناءنا يعتقدون أن السلوك العنيف جزء من الحياة اليومية، وهذه الألعاب تحيط بهم أينما ذهبوا، لينشأ جيل يرى في السلوك العنيف أمراً مألوفاً، وتتكون لديه ميول عدوانية تلازم سلوكه الشخصي، بعد رؤية هذا الكم من القتل عبر الألعاب الإلكترونية.
فضلاً عن ذلك، فإن الخطأ يأتي من أن يألف الطفل رؤية القتل، وإن كان افتراضياً وغير واقعي، ولكن الافتراضي قد يتحول إلى واقعي، وآية ذلك تلك الحادثة وغيرها التي أقدم صغار السن والمراهقون على ارتكابها، بلا دافع سوى التقليد، بعد أن تحول الموت في عالمهم إلى أرقام ونقاط للمرور من مرحلة إلى مرحلة أخرى في لعبته.
وهنا مكمن الخطورة، وهو أن تمسخ في الطفل أو المراهق إنسانيته، وتُسحق مشاعره، بعد أن قُدمت إليه السلوكيات غير المقبولة على أنها مقبولة، بل وتم دفعه إلى ممارستها، ولو من خلال العالم الافتراضي.
ويقينا أن الطفل، الذي تلقى هذا الكم من العنف عبر ألعابه منذ نعومة أظفاره، لن يستطيع أن يتخلص بسهولة من كم العنف المخزون في داخله وهو شاب، وسيمارسه سلوكياً، أو في أحسن الأحوال لفظياً، فللعنف أشكال كثيرة.
إن هذه القضية القديمة الجديدة لن تنتهي، ولكن هذا يتطلب منا في عالمنا العربي، أن نعي أبعادها ومآلاتها، لنحافظ على أغلى ما نملك، وهو أبناؤنا.
لذا، ينبغي على الأسر أن تقوم بدورها في الرعاية الاجتماعية، وهي الحصن الأول، ليس عبر المنع، ولكن عبر مراقبة ما يشاهده الأبناء، ومناقشتهم في مضمونه، لبناء حائط صد ومناعة داخلية ذاتية، قادرة على التمييز والانتقاء بين ما ينفع وما لا ينفع، في زمان بات المنع فيه من الصعوبة بمكان. وألا نظل واقفين في مربع النقد الدائم لما يشاهده أولادنا من مواد ترفيهية وألعاب إلكترونية، دون أن ننتقل إلى مربع آخر، عبر تقديم البديل المناسب.
وهنا، يأتي دور شركات الإنتاج في تقديم البديل الذي ينمي قدرات أبنائنا العقلية، ويقدم لهم المعلومة في شكل جذاب، وهذا ليس بالأمر الصعب، لأن لدينا قدرات فنية وإمكانات مادية يمكن أن ننافس بها في هذا المجال، وسيأتي التجويد مع الممارسة.. المهم البداية، حتى وإن كانت متأخرة، فأن تأتى الأشياء متأخرة، خير من ألا تأتي.
ولأن الأمر يخص أبناءنا، فإنني أقترح أن تقام مسابقة لمشاريع التخرج بين طلبة الجامعات، تخصص للوسائط المتعددة والمساقات التفاعلية والبرمجة، وأن توحد تلك المشاريع لإنتاج ألعاب الحاسوب النابعة من بيئتنا، والمرتبطة بأخلاقنا وتقاليدنا وأهدافنا التربوية، بشكل مبهر جاذب.
وأن تتبنى شركات الإنتاج المشاريع الخمسة الفائزة وتطرحها في الأسواق، وعاماً وراء آخر، ستصبح لدينا مادة برامجية نأمن على أبنائنا مشاهدتها، وقد نذهب أبعد من ذلك، من خلال ترجمتها وتقديمها لغيرنا، ليصبح لنا دور فاعل، بدلاً من أن يكون أبناؤنا دائماً في موقف المفعول به، وهو ما سيحفز الكثيرين لسلوك نفس المسلك.
إن ما نزرعه في عقول أبنائنا في هذه السن الغضة اللاقطة، هو ما سنحصده في شبابهم ورجولتهم، ومن يزرع الحنظل لا يجني العنب.