يثار جدل أكاديمي أملته التغييرات المصاحبة للأحداث في بعض دول المنطقة، والتي تحملها الرياح من مكان إلى آخر، بما يفيد أن العالم استحال إلى قرية.. بدليل أن الظواهر الاجتماعية كما يراها العلامة والمفكر "دوركايم"، تنتقل من مجتمع إلى مجتمع آخر بكل تجلياتها، متى ما توفرت لها نفس ظروف ظهورها على سطح الواقع الاجتماعي.. ونعني بها مجموعة التراكمات التي عادة ما يختزنها العقل الجمعي، إلى أن تنضج وتأخذ شكل حراك اجتماعي يعبر عن الضمير الجمعي.
قديماً نادى "فلاسفة العقد الاجتماعي"، في طليعتهم «جون لوك» و«توماس هوبز»، بأن الدولة نشأت في أعقاب نهاية عصر الإقطاع، بموجب عقد بينها وبين مواطنيها، على أن تقدم لهم الخدمات الضرورية التي هم في أمس الحاجة إليها، ليتنازلوا للدولة عن حقوقهم ويمنحونها تفويضاً بالحكم نظير رعايتها لهم..
وتوفير الغذاء والدواء والمسكن والعمل المضمون، كان وما زال أهم مطالب أي مواطن في أي مكان، وفي ذات السياق، صار من حق مواطني أي دولة المطالبة المشروعة بإشباع حاجاتهم الضرورية. وصار لزاماً على دولة العقد الاجتماعي، توفير تلك الضروريات لمواطنيها، ما داموا يعيشون بولاء تام لها وانصياع لقوانينها التي تنظم شؤون حياتهم، لأن الدولة تكتسب شرعيتها من النظم والتشريعات التي تضبط حياة الناس لضمان استقرارهم..
وهكذا ظهرت الدولة الراعية، دولة الرعاية التنموية. الدولة الراعية هي التي تخلق نموذجاً يكفل للسكان إمكانية الحياة الآمنة المستقرة.. والأمن والاستقرار لا يتحققان إلا بتوفر الضروريات اللازمة للمعيشة، خاصة في ظرف أصبح كل من التعليم والإسكان والعلاج، من أهم الخدمات الاجتماعية التي لا تستقيم حياة الإنسان من دونها..
ولكن في إطار الظروف الموضوعية لكل مجتمع. ويحق لنا في دولة الإمارات، أن نفتخر بأننا نعيش في دولة الرعاية والرفاهية.. دولة أشبعت الحاجات الأساسية الضرورية، بل تجاوزتها إلى حد الكماليات.. دولة وظفت عائدات النفط، وعوضت الأهالي عن سنوات القحط والحرمان والفقر المدقع.. دولة رفعت معدل العمر إلى 78.3 عاماً، بعد أن كان صفراً..
وهو معدل فاق أعلى معدل في اليابان وهو 77 عاماً.. وفي الإمارات ارتفع دخل الفرد من الناتج القومي، فأصبح الأعلى في دول المنطقة.. وها هو مؤشر تقرير التنمية البشرية لعام 2010، وضع الإمارات الأولى على مستوى الدول العربية.
استطاعت دولة الإمارات خلال أربعة عقود، أن ترسي أسساً متينة لبنية تحتية على أحدث طراز، وتوفر مجانية التعليم في جميع مراحله حتى ما بعد الجامعة، لنيل الدراسات العليا في كل التخصصات العلمية، سواء داخل الدولة أو خارجها.. دولة وظفت كل من يريد أن يعمل، ووفرت العلاج والرعاية الصحية المجانية لأي مواطن، كما وفرت مياه الشرب النظيفة 100٪..
باختصار؛ تعليم مجاني، علاج مجاني، سكن مجاني، وبيئة نظيفة، وعمل مضمون.. يضاف إلى ذلك توسيع أفق الخيارات أمام الناس، بعد أن تحرروا تماماً من الحاجة والحرمان.. وبفضل هذه الإنجازات غير المسبوقة، لم تعرف الإمارات أية اضطرابات أو أفعال خارجة عن القانون أو تهدد الاستقرار والأمن العام..
فنحن والحمد لله نعيش في دولة مكنت المرأة، وقدمت ولا تزال تقدم دعماً سلعياً ومساعدات اجتماعية طالت كل طالب حاجة.. دولة أرست نظاماً عدلياً بالغ الشفافية والنزاهة.. دولة وفرت الضمان الاجتماعي في أحسن صوره.
لقد جاء إطلاق استراتيجية حكومة الإمارات في 18/05/2007، إعلاناً لبداية مرحلة تطور إنمائي جديد يضاف لرصيد السنوات السابقة، فيه انسحبت الدولة وقللت من تدخلها في تسيير الاقتصاد، لتفتح الباب أمام القطاع الخاص ليكون شريكاً استراتيجياً للدولة..
فقد أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عن استراتيجية تبني الدولة لسياسة تنويع مصادر الدخل، وإعلان خفض هيمنة القطاع النفطي على الاقتصاد الكلي، إذ كان النفط يساهم بنحو 75٪ من إجمالي الناتج المحلي، وبسبب هذه النقلة النوعية أصبحت مساهمته لا تزيد على 27٪..
وصار للإمارات اقتصاد قوي تحدى الأزمة الاقتصادية التي عصفت باقتصادات دول كبرى.. اقتصاد بقدرة تنافسية.. وصار واضحاً إحداث توازن خلاق بين واجبات الدولة وحقوق المواطن، لضبط النزعة الاستهلاكية والسيطرة على الإنفاق الحكومي تحت إغراءات ارتفاع أسعار النفط.
ما أود التأكيد عليه، وما تثبته شواهد الواقع الماثلة أمام الجميع، هو أننا صرنا الآن نعيش في كنف دولة الرعاية التنموية والرفاه بكل معاني الكلمة.. دولة تأسست منذ بدايتها الأولى، على قواعد ثابتة لتعزيز قيم العدالة والمساواة والأمن والسلامة..
لقد تجاوزت بنا القيادة الرشيدة تحديات العولمة الاقتصادية، ومخاطر اندثار الهوية الوطنية. الإمارات تعيش عصر ازدهار وطني، يستهدي بمفاهيم اقتصاد المعرفة القابل للقياس.. دولة النموذج ونموذج الدولة.. دولة الرفاه الراعية لمواطنيها اجتماعياً واقتصادياً وصحياً وتعليمياً.. الدولة التي تحملت وما زالت تتحمل مسؤوليتها الكاملة تجاه الوطن والمواطن.