"الصحبي" و"هيثم" مواطنان عربيان، التقيتهما خلال الإجازة الصيفية في ألمانيا، أتمنى أن لا يكونا نموذجاً للمواطن العربي في الألفية الثالثة.. ليس لعيب في أخلاقهما أو شخصيتيهما، لا سمح الله، فهما في قمة الأخلاق والذوق والاستقامة، وإنما لأنهما هاربان من وطنيهما، يائسان من إصلاح الأمور فيهما، كافران بكل المشاريع والشعارات والوعود التي سمعاها على مدى العقود الماضية!
"الصحبي" كما بدا لي من هيئته، في منتصف الخمسينيات من عمره، يقيم في ألمانيا منذ أكثر من ثلاثة عقود، كما قال لي، وهو لا يخفي أنه من أعضاء حركة النهضة الإسلامية في تونس، التي تعرضت لمطاردات إبان حكمي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
يقول "الصحبي"، الذي يتندر بأنه لم يعد يحمل هذا الاسم التراثي أكثر من شخصين في تونس هو ثالثهما، إنه اضطر إلى الخروج من تونس بعد المضايقات التي تعرض لها، وطلب اللجوء السياسي في ألمانيا فحصل عليه، وهو يعيش فيها الآن معززاً مكرماً، مصون الحقوق، محدَّد الواجبات، وقد حصل على الجنسية الألمانية وأصبح يحمل جواز سفر ألمانياً محترماً في كل المطارات.
للصحبي مع العالم العربي تجربتان مريرتان يتحدث عنهما بألم وحرقة؛ أولاهما قديمة، عندما حاول التنقل بواسطة القطار بين دول المغرب العربي التي كان ينتمي إلى إحداها، فعانى أشد المعاناة على الحدود، رغم الاتحاد الذي يجمعها!
يتحدث "الصحبي" عن وقوفه ساعات طوالاً على منافذ الدخول والخروج، وعن المعاملة المهينة التي يتعرض لها الخارجون والداخلون، وعن إجراءات التفتيش التي كانت تتم في هذه المنافذ، ويقارن بينها وبين تنقله بين دول الاتحاد الأوروبي الذي يحمل جنسية إحدى دوله الآن، ثم يطلق زفرة حارة من صدره.
يغلق "الصحبي" هذه الصفحة ليتحدث عن تجربة حديثة مر بها العام الماضي، عندما لبى دعوة بعض أصدقائه المصريين المقيمين في ألمانيا لزيارة مصر. فرغم جواز السفر الألماني الذي كان يحمله، ورغم أنه ينتمي إلى التيار الإسلامي الذي ينتمي إليه الدكتور مرسي الذي كان رئيساً وقتها، إلا أن سلطات المطار أوقفته بحجة الاشتباه في اسمه المسجل لديها ضمن قائمة المطلوبين، وقررت احتجازه في سجن الموقوفين إلى حين البت في أمره في اليوم التالي، حيث صادف وقت وصوله المساء، بينما سمحت لزوجته وأبنائه بالدخول.
يقول "الصحبي" إنه واجه أسوأ ساعات في حياته داخل مقر الحجز، الذي يبدو أن يداً لم تمتد لتنظيفه منذ أعوام، فانتشرت فيه القاذورات، وفاحت منه الروائح الكريهة، مما اضطره إلى المبيت واقفاً على رجليه، ساداً أنفه، بينما كانت عائلته وأصدقاؤه يحاولون الاتصال بالسفارة الألمانية كي تتدخل لإخراجه بصفته مواطناً ألمانياً، لكنها كانت لسوء حظه مغلقة.
. ولم يتم الإفراج عنه إلا بعد لجوء أصدقائه المصريين إلى إحدى الشخصيات المتنفذة إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، فتم إخلاء سبيله دون كلمة اعتذار واحدة، وهو لا يفكر الآن في زيارة أي بلد عربي.
للصحبي الآن ابنتان وولد، وقد أوشكت ابنته الكبرى على إنهاء دراستها الجامعية في إحدى الجامعات الألمانية، بينما لا تزال البنت الثانية والولد في المراحل الدراسية الأولى. أكثر ما يؤلم "الصحبي" هو أن أبناءه لا يجيدون التحدث باللغة العربية.
وهو ما يعاني منه أصدقاؤه "الألمان" العرب السابقون، الأمر الذي دفعهم إلى تأسيس مدرسة تعلم أبناءهم اللغة العربية ثلاث ساعات في الأسبوع، وهي مهمة شاقة، يعاني منها الأبناء أكثر مما يعاني الآباء الذين لا يرون لأبنائهم مستقبلاً في أوطانهم السابقة، كما يتضح من صورة البلدان العربية الملتهبة.
هذه هي حكاية "الصحبي".. أما "هيثم" فهو شاب عراقي في أوائل الثلاثينيات من عمره. عانى الأمرين خلال فترة إقامته في العراق، الأمر الذي اضطره إلى أن "ينهزم" منه منذ خمس سنوات تقريباً، وكلمة "ينهزم" في لغة الإخوة العراقيين المحببة تعني "يهرب".
يقول هيثم إنه لم "ينهزم" من العراق بسبب صعوبة العيش التي يمكن أن يتحملها هو وغيره، وإنما بسبب الوضع الأمني السيئ الذي لم يعد يأمن فيه، إذا ما غادر بيته، من خطف سيارته أو زوجته أو خطفهما معاً.
ويضيف أنه يستطيع أن يتصور خطف سيارته، لكنه لا يستطيع تصور أن تخطف زوجته، الأمر الذي دفعه إلى "الانهزام" مع زوجته وابنتهما الصغيرة إلى تركيا، ثم الانتقال بجوازات سفر أوروبية مزورة، ومنها استقلوا القطار إلى ألمانيا، ليستقر بهم المقام في "ميونيخ"، حيث سلموا أنفسهم إلى السلطات المختصة، طالبين اللجوء الإنساني.
يقول "هيثم" الذي يقيم في ألمانيا منذ أربع سنوات ونصف، إن السلطات الألمانية تعاملهم معاملة إنسانية راقية، وتقدم لهم العون، وقد منحتهم جوازات سفر يستطيعون التنقل بها في أنحاء العالم، ما عدا العراق! وإن بإمكانهم التقدم للحصول على الجنسية الألمانية، عندما يشعرون أنهم جاهزون لاجتياز الامتحان المخصص لذلك.
لدى "هيثم" الآن ثلاث بنات، دخلت الكبرى منهن مدرسة ألمانية، وهو لا يفكر في العودة إلى العراق، حتى لو "انطوني بيتين ومليونين دولار" على حد تعبيره بلهجته العراقية، التي أصبح يستخدم إلى جانها اللغة الألمانية التي يجدّ في تعلمها، سعياً للحصول على الجنسية.
هذه هي حكاية "الصحبي" و"هيثم" مع وطنيهما اللذين "انهزما" منهما، ليستقر بهما المقام في ألمانيا، حيث سينشأ ابناؤهما، ويتعلمون، ويتحدثون اللغة الألمانية، وينسون لغتهم الأصلية.. ولن يعرفوا أنه كانت لأهلهم أوطان كانت تتغنى ذات يوم بنشيد عنوانه "بلاد العرب أوطاني"!