كان مرسي قد اكتشف أن أحد أفراد حلقة الإخوان، قريب للطيار الذي يقود طائرة شحن مصرية تتولى نقل البعائث الد

بلوماسية من سفارات وقنصليات القاهرة في الأميركتين، بما في ذلك قنصلية لوس أنجلس التي يتم من خلالها إرسال المواد المطلوبة إلى حسام خير الله، وحين أدرك هذه الحقيقة قام بتجنيده لكي يتابع مراقبة حلمي وخليته. أما مرسي نفسه فقد عاد إلى القاهرة، على أمل الاستفادة من بحوثه في الناسا للحصول على وظيفة في الإنتاج الحربي، تجعله أقرب إلى مشروع الكوندور واللواء خير الله.

 لكن تقديرات المخابرات وتساؤلاتهم حول عضويته في الإخوان منعته من ذلك، فاكتفى بمقعد تدريسي في الجامعة وبحوث متواضعة حول مواد حماية أنابيب الصرف الصحي.

أما العميل الجديد في لوس أنجلس فتابع مراقبة حلمي ونشاطه، من خلال رحلات طائرة قريبه إلى أن أوقع بهم جميعاً في مارس 1986، لكن حلقة مكملة لنفس الشبكة استمرت في العمل في ولاية ميريلاند والعاصمة واشنطن حتى 1988، حيث اكتشفت وألقي القبض على بعض أفرادها في تلك السنة.

لكن كيف عاد حلمي إلى مصر؟ لعلكم تذكرون قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني المصرية، وأنشطة منظمات المجتمع المدني الأميركية على الأراضي المصرية في العام 2011، والتي تم فيها توقيف عدد من الأميركان ولم يلبث أن أفرج عنهم بصورة غامضة.

وغادروا مصر وطويت الاتهامات الموجهة إليهم. تنبه للمسألة مدير المخابرات الحربية المصرية اللواء وقتها عبدالفتاح السيسي، فطرح على الأميركان فكرة مقايضة الموقوفين من أبنائهم بحرية الدكتور عبدالقادر حلمي، إضافة لملفات أخرى تمت تسويتها. ولكن من تفاوض عن الأميركان في هذه المسألة؟ فقط لعلم من يدافعون عن التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، وأنشطة منظمات المجتمع المدني في دولنا، فإن مدير المخابرات المركزية الأميركية (سي آي ايه) بذاته هو من أبرم اتفاقية المقايضة تلك مع السيسي.

هنا يبرز أحد الأسئلة التي يهرب إليها الإخوان في محاولة إنكار هذه القصة، وهو التساؤل عن سبب عدم محاكمة مرسي على هذه الجريمة بين 1986 وحتى 2011.. والحقيقة أن السبب واضح ومعروف، فالرئيس الأسبق حسني مبارك أمر، وفور انكشاف القضية، بإنكار أية علاقة للدولة والمؤسسات الرسمية المصرية بالموضوع، والتصرف على هذا الأساس في كل ما يتصل بالأمر.

وهذا أمر متوقع وطبيعي، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم المعونات الاقتصادية والعسكرية الأميركية لمصر، التي كانت ستتعرض لخطر الإلغاء الكلي إذا اعترفت الدولة المصرية رسمياً أنها كانت وراء هذه العملية. وعملياً فإن محاكمة مرسي وقتها على دوره في كشف العملية والتبليغ عن منفذيها، كانت ستمثل اعترافاً رسمياً بها.

وقد استفاد مرسي من قرار حسني مبارك هذا، إلى حد أنه طيلة سنوات نشاطه في مصر بين 1985 و2010، لم يتم اعتقاله إلا مرة واحدة لمدة ستة شهور لم تصل للمحكمة، رغم أنه كان يوصف بأنه من أكثر ناشطي الإخوان تحدياً للقانون ونظام مبارك، وواضح أنه كان هنالك من يدرك الهدف الحقيقي وراء تصرفات مرسي تلك.

ويستحق الذكر هنا أن هنالك عدة مؤشرات قانونية وسياسية، تؤكد دور مرسي في تلك الجريمة البشعة، أبرزها الخطأ الذي ارتكبه مرسي نفسه حين تفاخر علناً على قناة سي بي سي، بعمله في وكالة الفضاء الأميركية ناسا (التي كان يعمل فيها عبدالقادر حلمي)، ثم وعندما بدأت التقارير الصحافية تنتشر حول دوره في اعتقال حلمي، بدأ ينفي أنه قال ذلك وينكر أي علاقة له بناسا (كما قال على قناة الرحمة مثلاً)..

رغم وجود تسجيل فيديو بذلك، ورغم أن سيرته الرسمية تزعم أن رسالة الدكتوراه التي يحملها هي في تخصص مواد حماية محركات مركبات الفضاء، ما يجعل هذا النفي مثيراً للكثير من الريبة والتساؤلات، التي لا يمكن أن تكون أقل من جريمة بحجم جريمة تسليم عبدالقادر حلمي. وينطبق هذا أيضاً على سيرته الذاتية في مواقع الإخوان الرسمية، قبل وبعد انتشار قصة حلمي، حيث تم حذف المعلومات المتعلقة برسالة مرسي للدكتوراه وعلاقتها بناسا.

كما أننا عند العودة إلى أوراق القضية أمام القضاء الأميركي، نجد أن المحكمة منعت الدفاع (حلمي ومحاميه) من الاطلاع على عدد من أدلة الإثبات لحساسيتها الأمنية (ما يعرف بالدليل السري لاحقاً)، وهذا الإجراء يطبق في المحاكم الأميركية، عندما لا يراد كشف العميل الذي قدم معلومات للقضية المنظورة أمام المحكمة، علماً أن النيابة رفضت الكشف عن اسم المخبر السري الذي سلم لها عبدالقادر حلمي، حتى في التقارير التي نوقشت أمام الكونغرس.

واللافت هنا أنه عند إطلاق سراح عبدالقادر حلمي قبل فترة وجيزة من انتخاب مرسي، كانت التقارير الإعلامية تتداول فعلة مرسي المخزية بشكل واسع، ومع ذلك لم يقبل حلمي أن يصدر أي تصريح يدافع فيه عمن كان صديقه لسنوات عدة في كاليفورنيا، وهنالك دلالة واضحة خلف هذا الرفض، علماً أنه لم يكن ممنوعاً من التصريح لوسائل الإعلام.

لكن الدليل السياسي الأكثر إثباتاً هنا، هو واقعة أن من تابع ملفات مرسي بعد تسلمه الرئاسة، لم تكن الأجهزة الأمنية المدنية كالأمن الوطني، وإنما كل من المخابرات العامة والمخابرات الحربية، وهاتان المؤسستان في الغالب لا تتدخلان في شؤون المدنيين إلا في قضايا كبرى ذات علاقة بالأمن القومي لمصر، وإلى حد قيامهما بمراقبة "الرئيس" مرسي وتسجيل اتصالاته. أما اللافت فعلاً فهو قيام جهاز المخابرات العامة بالتحول إلى وضعية الحماية الذاتية، التي لا تطبق إلا في حالة ارتكاب رئيس الجمهورية لجريمة الخيانة العظمى!

وهذا كله يعيدنا إلى السؤال الأساسي: ما الذي قام به الفريق السيسي فعلاً يوم 3 يوليو الماضي؟ هل استجاب لإرادة شعب أم خلص وطنه من إيلي كوهين - النسخة المصرية؟ أم انتقم لشرف الجيش المصري ممن باع أسرار بلاده؟ أم كل ما تقدم؟!