انهزم الإخوان المسلمون في مصر قبل أن يتحرك الشارع المعارض الغاضب لإزاحتهم عن سدة الحكم، وقبل أن يتدخل الجيش لينقذ الموقف ويحد من الخسائر التي تترتب على إجبارهم على الرحيل. انهزمت هذه الجماعة لأن البرنامج الذي بدأت بتنفيذه فور وصولها للحكم، كان يهدف لإضعاف "الدولة" وتهميش دورها، لأنها عقائديا لا تحترم مبدأ وجود الدولة، فاصطدمت جراء ذلك بالمؤسسات العريقة القائمة: الأزهر والقضاء والجيش.
واصطدمت قبل هذا وذاك بالمشروع النهضوي الشبابي الذي صنع الثورة في مصر. وحين قررت هذه الجماعة بقياداتها المتحجرة، أن تواجه قرار إزاحتها عن سدة الحكم باللجوء إلى العنف، معولة على قوى إسناد خارجية ومستغلة المرونة التي أبدتها الأجهزة الأمنية، كشفت بشكل فاضح عن مدى ما تتمتع به من قصر نظر سياسي.
وعن مقدار ضعفها وهزالة الالتفاف الشعبي حولها الذي طالما بالغت في تهويله، إذ لم يتحرك أحد من الخارج جديا لنجدتها، من جهة، ولم تجد الأجهزة الأمنية صعوبة في فض الاعتصام في ميداني رابعة العدوية والنهضة، من جهة أخرى، رغم العقبات الكثيرة التي وضعتها هذه الجماعة، ورغم لجوئها لاستخدام السلاح لمقاومة ذلك.
الهزيمة المدوية لحركة الإخوان المسلمين في مصر، قد تعقبها هزيمة أخرى قريبة في تونس لفصيل آخر من الإسلامويون، فحزب النهضة الحاكم هناك يواجه هو الآخر أزمة مستعصية، وسط تصاعد غضب الشعب التونسي الذي أفرز حركة "تمرد" تطالبه بالرحيل، إلا أنه كصنوه في مصر، لديه شهوة غير عادية للتمسك بالحكم.
والحقيقة أن سوء أداء هذه الحركات في سنة واحدة منذ توليها مقاليد الحكم، كان كافيا لنمو وتعاظم عوامل انهيارها. ولعل أبرز الأسباب التي تكمن وراء هذا الانهيار السريع، هو أن أجندة هذه القوى لم تنبثق عن أجندة الربيع العربي وأحلام شبابه المتطلع نحو المستقبل، وإنما انبثقت بتأثير عوامل معيقة لمسارات الطموح الشبابي إن لم نقل معادية لها، لأنها حركات تنتمي بأجندتها وطموحها وممارسات منتسبيها، إلى ماض لا ترغب في مغادرته، رغم أنه قد غادرنا منذ ما يزيد على ألف عام.
وصلت هذه الحركات إلى مواقع السلطة بغطاء ديمقراطي، في بلدان لم يسبق لها ممارسة الديمقراطية، حيث أسيء فيها استخدام آليات الديمقراطية وقيمها وتقاليدها، بالطرائق الدعائية وبالرموز التي وظفت في العملية، إلا أن هذه الحركات سرعان ما عملت بكل جد على تمزيق الغطاء الذي أتى بها إلى السلطة.
ورغم أن هناك أكثر من مفهوم لهذا الكيان الذي يسمى "الدولة"، وضعت استنادا إلى التباين الأيديولوجي والمصالح الطبقية، إلا أن مفهوم "الدولة" في الإطار الديمقراطي هو ما يعنينا في سياق مقاربة أسباب فشل "الإخوان" في مصر.
"الدولة" كيان اعتباري يتكون من عدد من المؤسسات، تدار وفق العقد الاجتماعي (الدستور) بين أفراد المجتمع ضمن حدود جغرافية معينة، وهي وفق هذا التعريف كيان سيادي لا يمتلكه فرد، وهو في الوقت نفسه ملك لكل فرد. "الدولة" كيان يمتلكه جميع أفراد المجتمع، وقد وُجد ليحتضن المؤسسات والأجهزة والآليات التي تخدم الشعب وتنظم شؤون حياة الأفراد، وهو من هذا المنطلق كيان ينبغي الحفاظ على حياديته بحرص.
وهذا أول الدروس وعنوان جميع الدروس الأخرى في معنى الديمقراطية. فليس من حق من يصل إلى سدة الحكم أن يسرق هذا الكيان ويبدأ بتحويل مؤسساته التي أنشئت لخدمة "الكل"، إلى مؤسسات تخدم "الحزب" أو "الجماعة" أو ربما "الفرد"، كما فعلت وتفعل الأحزاب الشمولية التي عانت شعوب العالم الثالث الويلات من حكمها وحصدت، ولا تزال، التخلف جراء ذلك.
كان صعود الحركات الإسلاموية إلى سدة الحكم من أبرز سمات الربيع العربي، كما أصبح انهيارها السريع من سمات هذا الربيع أيضا، لأنه بقي يانعا رغم المحاولات التي قامت بها قوى خارجية لحرفه عن مساره وإفراغه من محتواه، عبر دعم وإسناد الحركات التي أشرنا إليها.
من الصعب الحديث عن الديمقراطية في دول الربيع العربي، ففي ذلك مجافاة للموضوعية وإنكار لواقع الحال، بل الأصح هو الحديث عن نجاحات محدودة عبر محاولات متواضعة يشوبها الكثير من الأدران، وعن ممارسات تحبو وممارسات أخرى تكبو في الطريق نحو البناء الديمقراطي. لذلك ليس مما يدعو إلى الاستغراب أن تصبح الشرعية التي تمخضت عن ممارسات غير ناضجة للديمقراطية، كما حصل في دول الربيع العربي، عرضة للتساؤل والتشكيك.
الديمقراطية بقدر كونها ممارسة جمعية يشترك فيها جميع أفراد المجتمع، هي ممارسة فردية تنبع عن وعي الإنسان بقيمته وأهميته كفرد، ووعي بما لحرية الاختيار التي يمارسها من مديات لا تقتصر على وضع ورقة في صندوق الاقتراع كل أربع سنوات، وإنما تتجاوز ذلك إلى الإسهام في وضع الخطط التنموية على المستويات كافة، بدءا من المجتمع الأصغر للفرد وهو عائلته، إلى المجتمع الأرحب وهو بلده.
إن فشل أول تجربة ديمقراطية في مصر ليس فشلا للنهج الديمقراطي كما قد يروج لذلك أعداء هذا النهج، بل هو فشل لحركة الإخوان نفسها، وقصور في إدراكها لسمات العصر ونكهته، وذلك لأنها، وهي الحركة الشمولية، قد استخدمت الديمقراطية أداة للوصول إلى الحكم فحسب، متناسية أنها بالدرجة الأولى أداة ومنهج للبناء المجتمعي المؤسساتي المدني، الذي لحمته وسداه وجوهره الإنسان وسعادته.
وسيكون لهذا الفشل الكثير من التداعيات على مستقبل الحركة نفسها، التي ستشهد تراجعا في حضورها على مستوى الشارع المصري، وعزوفا عن الانخراط في صفوفها، سيما بعد أن كشفت عن مدى استعدادها لاستخدام العنف واللجوء إلى أساليب لا تتفق مع العمل السياسي.
وبالقدر الذي كانت فيه تجربة عام واحد مؤلمة لمصر، فقد كانت مفيدة لها من جانب آخر، حيث توافرت للشباب الذين انخرطوا بحسن نية في صفوف هذه الحركة وللآخرين الذين تعاطفوا معها، فرص نادرة للتعرف على الأهداف والنوايا الحقيقية لقيادات هذه الحركة.