في صبيحة أحد أيام سنة 1985، كان ستيف جوبز مؤسس شركة Apple يقف أمام مجلس إدارة شركته، لا لشيء سوى لإخطاره بإنهاء خدماته كرئيس تنفيذي للشركة، التي أسسها وبناها كما يقال "طوبة طوبة" بدءاً من كراج منزله. يقول جوبز عن تلك الحادثة: "كانت تلك الإقالة أكبر هديةٍ لي، لقد أعادتني من جديد لأكون مُتعلّماً وأبدأ مرة أخرى بترتيب حياتي من الصفر"!
وعاد من جديد ليؤسس شركة Next لتطوير المنصات للحواسيب، ثم شركة Pixar للوسائط المتعددة، وبنجاحٍ ساحق أعاده من جديد لشركته الأصلية كرئيسٍ لها عام 1996، بعد أن شارفت على إعلان إفلاسها، ليعيدها للربحية خلال أقل من سنتين فقط ،ثم يتركها وقد أصبحت أغلى شركة في العالم بأكمله كقيمة سوقية!
كان بإمكان جوبز أن يتباكى وأن يلوم الظروف والحظ "الأقشر"، وأن يبدأ في تخمين من كانوا وراء إقالته، فلا بُد أنّه ذاك الشخص الحاقد عليه، أو ذلك الذي غار من تفوقه، أو الثالث ممن طمح لسرقة منصبه، ثم يُضيع أزماناً من عُمُره في بكائياتٍ لا طائل من ورائها على اللبن المسكوب. فتكوينه النفسي قويٌ كفايةً ليجعله يثبت أمام تلك الصدمات المتوقعة، وثقته بنفسه مكّنته ليعيد لملمة جراحه سريعاً، ويبدأ من جديد للعودة إلى عالم النجاح المغري.
وهذه جزئيةٌ هامة تغيب عن الكثيرين ممن يستغربون افتقاد من حولهم للحماس الفعلي لا الكلامي، وتراجعهم عندما يبدأ أوان العمل، فمن لم يعرف لذّة ما تنادي به لن يفهم ما تقول مهما اتقدت حماستك في حديثك عنه، ومن لم يجرب الشيء من قبل ويعرف قيمته، لن يجازف بخسارة ما لديه الآن من أجل أمرٍ غير متأكدٍ من جدواه، فوحدهم من أحسّوا بفقدان شيء وكان ذاك الفَقْدُ قريبَ عهدٍ، هم من يشتعلون حماسةً من أجل جعل ذلك المطلوب واقعاً معاشاً، لاسترداد تلك اللذة أو المتعة التي فقدوها.
الكل يتحدث عن القيم العليا وعن الطموح المتقد والهمة العالية، وأنّك "لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا" وأنّ "من جدّ وجد"، لكن ما أن تحين ساعة الحقيقة حتى تتلاشى الوجوه، ولا يبقى سوى صدى الكلمات، ولا يثبت على تلك المرتكزات إلا القلّة ممن لا يرى طريقاً له إلا النجاح ولا قَدَراً له إلا التفوّق، فأولئك وحدهم من يرون العثرات وسائل للتعلّم، والمعوّقات كتحديات لهمم الكبار.
وأن النجاح العظيم مُحاطٌ بكثيرٍ من العقبات والمثبطين حتى لا يناله إلا من هو جديرٌ به. لذا لا تستغرب عندما تجد العدد العديد من المتفلسفين الذين يحاولون فَتّ عضدك عن الاستمرار، فهم لا يريدون أحداً أن يتميّز عنهم فينكشف حجمهم الحقيقي.
وكلما غَمُضَ الأمر وقلّت الحقائق عنه، كلما كَثُرَ أولئك المتعالمون والمنذرون بالويل والثبور. الناس لا يتغيّرون بسهولة، أما الدعاوى فيسيرة، فالكلام "ببلاش" لكنّ الفعل هو المعضلة، لذلك ما أن تحين ساعة الفصل بين تبنّي النقلة أو التغيير وبين الوضع القائم، حتى ينتصر الوضع القائم بالضربة الفنية القاضية ومن أول جولة، فعادات الناس تشكّلت خلال سنين طويلة، ومن المحال أن تتبدّل فعلياً خلال مدة قصيرة.
ونادرون هم أولئك الذين يتجرأون على خوض لُجّة الواقع المراد الوصول إليه، وأندر منهم من يحاولون ويتعثرون ويقومون للمحاولة من جديد بعزيمةٍ أكبر، كما فعل ستيف جوبز، فالأصوب في هذه الحالة أن نعمل على إيجاد وإنضاج الوعي بجدارة ذلك الخيار بالمحاولة، فلن يوافق أحد على الانتقال لمرحلة مختلفةٍ وهو يجهل قضّها وقضيضها!
إنّ الفرد مثله مثل المؤسسة، فهو مزيج متناغم وأحياناً متضارب من الأفكار والمشاعر، ولديه حسابات كثيرة تمر بباله حال إحساسه بوجوب اختيار مسلكٍ لا سابق خبرةٍ له به، أو تغيير أمر كان يألفه، أو تبديل عملٍ كان يُحسنه. ويختلف كل شخصٍ عن الآخر في كيفية رؤيته للأمور وماذا يفهم منها وماذا يُقرِّر حيالها، فلا تضغط على الآخرين وتقبّلهم كما هم لا كما تريد أنت، فكلٌ مُيسّر لما خلق له، هناك المجبولون على الطموح والرغبة في التفوّق، وهناك الراضون بالسكون وبقاء الأمور كما هي، فَدَعْهُم بحالهم فإنّه من المحال أن تُشعل النار في بركة ماء!
لا تُطالب الآخرين وكأنهم مدينون لك أو ملزمون بالاستماع إليك، واجعل عملك هو لسان حديثك الأوحد، كما فعل الناجحون ويفعلون، فبذلك ستؤثر فيمن حولك، وبه سيعلمون أنّ المحاولة جديرة بـ"شدّ الحيل" لها، وعندما تُخفق انهض سريعاً ولا تتباكَ وتبحث لك عن شمّاعات، وعندما تخطئ عُد خطوة للخلف وابدأ من جديد، ولا تحاول الإكمال من حيث تعثرت.
فهناك تقف على أرضٍ غير آمنة وفي بيئة لن تُساعدك إلا على مزيد من التعثر، فلا معنى لمحاولةِ وَضْعِ لَبِنَةٍ متماسكة فوق لبنة هشّة، فتلك وحدها كفيلةٌ بهدم كامل البناء، كما ورد صراحة في الانتقاد الرباني بقوله:
((أم مَن أسّس بُنيانه على شفا جُرُفٍ هارٍ فانهار به))، فهو لم يقل "في شفا" بل استخدم "على" لبيان السطحية وانتفاء العُمق تماماً، فالتأسيس هناك والعدم سواء. وأهمّ تلك اللَبِنات المتماسكة هي ثقتك بنفسك وقدراتك المكتسبة بدوام التحصيل، فتلك وحدها ما لم يمكن لمجلس إدارة Apple أن يصادره عن ستيف جوبز، فخسر معركة لكنّه ربح الحرب لاحقاً!