قبل عامين، وقبل أسبوع من الاحتفال بذكرى تأسيسها، نظمت حركة حماس احتفالية ضخمة في قطاع غزة، قادها أحد مؤسسي الحركة، وهو عبدالفتاح دخان، لتجديد البيعة والعهد.. ولكن ليس لحركة حماس، ولا للشعب الفلسطيني وطموحاته وآماله، بل لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي بقيادة مرشده العام في مصر!

إذا كانت هذه المعلومة تفاجئكم فعليكم أن تعيدوا القراءة من جديد، لأن ما كتبته ليس سوى التطبيق العملي لما ينص عليه ميثاق حركة حماس نفسها، من أنها تعتبر فرعاً للإخوان في فلسطين (أي الضفة والقطاع، لأن أراضي 1948 لها فرعها الخاص).

هذه العلاقة الإشكالية تجعل الحديث عن حركة حماس في العادة مغلفاً بقدر من الحساسية، خصوصا بسبب كونها حركة فلسطينية كما يتصور الكثيرون، وبالتالي فإن أي موقف منها يصنف عاطفيا أكثر منه عقلانياً.

إذا كان هذا الكلام صحيحا قبل عام 2007، فإنه لم يعد كذلك بعد تلك السنة، وعلى الأخص بعد الانقلاب الذي قامت به الحركة وسيطرتها غير الشرعية على قطاع غزة. فالنتيجة أن الحركة أصبحت تتحرك بحرية أكثر من وإلى القطاع، عبر شبكة الأنفاق على الحدود مع مصر، وترافق ذلك مع تعزيز موقع حماس في تحالف دمشق ـ طهران المعروف.

لكن في نفس الوقت كان هنالك صعود لعامل مقلق، تمثل في تحول حركة حماس تدريجيا إلى أكبر فروع الإخوان امتلاكا لقوة ضاربة ومساحات تدريبية واسعة، عدا عن الاستقلال النسبي لها في إدارة قطاع غزة. ثم جاء الربيع العربي بمصائبه كلها، وكان من أبرزها تدفق ترسانات السلاح من حلبة الفوضى الليبية إلى مصر ومنها إلى غزة، وما رافق ذلك من تدفق "جهاديين مفترضين" إلى القطاع، إما للاختباء أو لاكتساب مهارات تدريبية وقتالية.

ولاحظوا المفارقة الرئيسية هنا، فبدلاً من أن تتوجه هذه الجهود لتحقيق الشعار الذهبي الذي كان يتم بيعه للناس سياسيا وهو تحرير فلسطين، تحول القطاع إلى مخزن لتصدير هذه المجموعات، ولكن إلى الدول العربية المجاورة وأولها مصر، من خلال استخدام قطاع سيناء كساحة خلفية للإرهاب والمساومات السياسية لحساب التنظيم الدولي للإخوان. ولم لا، فقد أصبحت حماس بمثابة الجناح المسلح للإخوان كتنظيم دولي، وليس لفرعه في فلسطين فحسب.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار سهولة اختراق هذه المجموعات أمنيا، سواء فرديا أو تنظيمياً، من قبل أجهزة استخبارية أجنبية، وعلى الأخص الإسرائيلية، يمكننا أن نتخيل حجم الخطر الذي يمثله هذا الواقع على الأمن القومي للمنطقة العربية ككل، وليس لمصر وحدها.

وهنالك حاليا العديد من المجموعات التي تعمل في غزة وسيناء بشكل متكامل كأنها وحدة جغرافية واحدة، من بينها كتائب صلاح الدين، وجيش الإسلام ومجموعة جند الله، وجلجلت، والفرقان. وهذه المجموعات تقاد من غزة وتعمل في سيناء، بينما توجد مجموعات تقاد من سيناء وتعمل في غزة، مثل التوحيد والجهاد، ومجموعة الرايات السوداء، ومجلس شورى الجهاد، ومجموعة التكفير والهجرة.

دعونا نتذكر هنا أن إحدى هذه المجموعات، وهي جند الله، قامت في رمضان 2012 بقتل عشرات الجنود المصريين وهم يفطرون من صيامهم وجاءت من غزة، ويبدو أن من نسق هذه العملية تحديدا، كانوا قد حبسوا في سنوات سابقة مع محمد مرسي وغيره من قيادات الإخوان في السجون المصرية. وهنالك معلومتان تستحقان الانتباه هنا، فقد تم قصف مركز على الحدود المصرية مع غزة أثناء تنفيذ العملية، كما قامت سلطات حماس بالإفراج عن أبو حفص المقدسي، وهو أمير جماعة جند الله الجهادية التي ينتسب إليها منفذو الاعتداء.

هذا يقودنا إلى الواقع الحالي في مصر.. فالسنة التي حكم فيها مرسي، شهدت كف يد الأجهزة الأمنية المصرية عن التعامل مع الملفات المتعلقة بحماس وأمن سيناء والإخوان والجماعات الإرهابية عموما، كما أن العشرات من المحكومين في قضايا إرهابية وأمنية تم الإفراج عنهم بقرارات مباشرة من مرسي.

النتيجة؛ تحولت سيناء إلى قنبلة موقوتة تهدد الأمن القومي المصري ككل، وليس صحيحاً هنا ادعاء أنها تهدد إسرائيل لأن ما نراه هو العكس تماما، حتى لو أصرت وسائل الإعلام إياها على غير ذلك.

ومع سقوط مرسي تحولت معركة الإخوان ضد الشعب المصري وجيشه ودولته من الخفاء إلى العلن، بالاستناد إلى خزان إرهابيي سيناء وخزان أسلحة ليبيا والدعم اللوجستي القادم من غزة.

وقصص التجاوزات الأمنية لحماس في مصر أصبحت الآن من الحقائق المتداولة، بدءاً من الهجوم على سجن وادي النطرون لتهريب مرسي وقيادات إخوانية وحمساوية وحزبللاوية، وصولا إلى استخدام الأراضي المصرية لتهريب أسلحة ومخططات إيرانية، إضافة إلى تنفيذ مهمات أمنية وتجسسية وشبه عسكرية لصالح تنظيم الإخوان في مصر.

بل إن الأمور وصلت بحماس إلى رفض تسليم قناص شارك في عمليات إرهابية للسلطات المصرية حين طالبت بتسليمه، كما لا تزال تصر حتى الآن على رفض تسليم المتهمين بقتل الجنود المصريين.

هنا تطرح الأسئلة الصعبة؛ فما هي مصلحة الشعب الفلسطيني في غزة في تصويره وكأنه يعادي شقيقه الشعب المصري، لا لشيء إلا لأن المصالح الحزبية والتنظيمية لحكام غزة تريد الانتقام لتنظيمها الدولي؟ وما مدى خطورة تحويل القطاع إلى خزان للمجرمين الفارين بدلا من تنميته وحل مشاكل سكانه؟!

نحن في الإمارات تعرضنا للسعة غير بريئة نتيجة زواج المصالح الغريب هذا، فبعد فترة من افتتاح مدينة الشيخ خليفة بن زايد للأسرى المحررين في قطاع غزة، فوجئنا باستضافة الإرهابي الدولي المطلوب للقضاء المصري صفوت حجازي، الذي وقف وأمام رئيس حكومة حماس، ليتهجم على دولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً، ولم نسمع عن اعتراض من الحاضرين! كما صدمنا أكثر من مرة بهجمات إعلامية، سواء من إعلام غزة أو من ناشطين حمساويين، على خلفية محاكمة التنظيم السري في الدولة.

السؤال الذي نسأله هنا: لمصلحة من كل هذا؟ هل يعقل أن يكون هذا لمصلحة الشعب الفلسطيني الأسير؟ أشك في ذلك..