من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن معظم الكتاب يقررون عندما ينطلقون في حياة عملية تقوم على الكتابة، ألا يستخدموا أسماءهم الحقيقية، وإنما أن يعثروا على بديل من نوع ما. وهكذا فإننا نجد معظم الكتاب يعيشون حقا حياتين منفصلتين، الحياة الأولى ترتبط بحياتهم الشخصية وصداقاتهم وزيجاتهم، بينما الحياة الأخرى، أو الحيوات، يتم الاحتفاظ بها للاستخدام فقط باعتبارها مرتبطة بأسماء مؤلفي الكتب التي يكتبونها.
وهكذا فإنه إذا قرر كاتب مثلا أن ينخرط في العديد من أنواع الكتابة، أي كتابة الأعمال الروائية العادية وأيضا تأليف كتب موجهة خصيصا لاجتذاب انتباه الأطفال، فإن الأمر سيقتضي منه أن يكون له اسمان مختلفان. ومن الطبيعي أن يبقي على الحقيقة القائلة بأن الاسم الذي يستخدمه باعتباره مكلفا لكتبه، مختلف عن الاسم الذي أطلق عليه بعيد ولادته، والذي يدعى به على الصعيد الاجتماعي.
والمرأة التي تقرر العمل بالكتابة، يتعين عليها أولا وقبل كل شيء، تحديد أي نوع من الكتب تريد أن تكون مؤلفة له، فإذا قررت مثلا أن تكتب روايات إثارة، أي روايات حافلة بالحركة مع قدر من الجنس، فإنها لن ترغب في أن تصدر هذه الكتب حاملة اسمها الحقيقي، وبصفة خاصة إذا تصادف أن ذلك الاسم هو على سبيل المثال، شيء من نوعية "جيلي" أو "فلوسي" أو "وينفريد".
وفي بعض الأحيان، قد لا يكلف كاتب نفسه عناء تغيير اسمه إلى اسم آخر لأغراض الكتابة، وهكذا فإنني أجد أن المؤلفين الذي كانوا مفضلين لدي، كانت لهم جميعا أسماء من قبيل "ساكس روهم" أو "بيل دروموند"، بينما المؤلفة التي أحرزت الشهرة بالكتابة مثلا عن مرحلة بعينها من التاريخ الفرنسي، غالبا ما تطلق على نفسها اسما فرنسيا مستعارا.
وفي حالتي مثلا، فقد بدأت حياتي العملية في الكتابة بأن أسندت إلي صفحة في مجلة أسبوعية محلية، وكنت أدرك أنه في مصر في أربعينات القرن الماضي، كان الإنجليز الذين يعيشون هناك، والذين من الجلي أنه لا معرفة لهم باللغة العربية، يعيشون في جهل تام بالكيفية التي يعيش بها لمصريون.
وهكذا فإن الإنجليزي العادي يعيش تماما على نحو ما كان يفعل في إنجلترا، فيبدأ يومه بتناول طعام إفطار يستهله بشيء مثل حساء الشعير أو رقائق الذرة مع الحليب، ثم ينتقل إلى البيض بشكل أو بآخر، وغالبا ما ينتقل بعد ذلك إلى لحم الخنزير المقدد، الذي كان إضافة مستحيلة بالنسبة للمصري العادي الذي كان محظورا عليه إذا كان مسلما أن يتناول أي نوع من لحم الخنزير.
دارت أول رواية لي حول الشرق الأوسط، وكانت تتناول وصف العديد من البلاد التي كنت جاهلا بها تمام الجهل، كما هي الحال مثلا بالنسبة لإيران، التي كانت في تلك السنوات المبكرة تدعى بلاد فارس، وهكذا فقد اخترت اسم مارك توري لأكتب تحته روايتي الأولى التي جعلت عناوينها "اليد الفضية"، وقد صدرت هذه الرواية عن ناشر شهير وحققت مبيعات معقولة.
غير أنني بدلا من مواصلة كتابة رواية أخرى مما يسمى بروايات الإثارة حول الشرق الأوسط، قررت فجأة أن أكتب رواية تحر عن هيئة الإذاعة البريطانية، جعلت عنوانها "جريمة قتل أمام الميكروفون"، وقمت بتأليفها في غضون أسابيع قلائل، وأصدرتها دار نشر معروفة إلى حد كبير، غير أن هذه الرواية لم تحرز نتائج أفضل من جهدي الأول في مجال الرواية، أي رواية "اليد الفضية"، ولم أكتبها تحت الاسم الأدبي الذي اخترته لتلك الرواية.
جلست بعد ذلك وعكفت على كتابة رواية ثالثة سعدت بها للغاية، وقد تضمنت الكثير عن الحياة الخاصة لبعض الشباب، وبصفة خاصة حياتهم الجنسية، وقرأها عدد من أصدقائي الذين كنت أقدر رأيهم كثيرا، وبعث أحدهم بها إلى ناشر تصادف أن أبي كان يعرفه، وكذلك كان معروفا لدى عدد من أصدقائه من الأدباء.
اتصل بي هذا الناشر بعد ذلك وأثنى على الكتاب كثيرا، ووافق على نشره، وذلك رغم أنه بعث بقائمة من الاقتراحات ببعض التغييرات التي يتعين إدخالها على الرواية، وتصادف أن صديقة له أعطت النسخة الوحيدة من الرواية لصديقة سابقة لي، نجحت في إضاعة الرواية التي كما سبق لي القول كانت نسخة وحيدة.
ويبدو أن صديقتي السابقة هذه قد عقدت العزم على إتلاف الكتاب، وتم إبلاغي لاحقا بأن هذه الرواية لم يعد لها وجود. وقد سبب لي الأمر كله قدرا كبيرا من الانزعاج، بحيث إنني تخليت تماما عن فكرة كتابة المزيد من الأعمال الروائية، وذلك على الرغم من أنني قضيت بقية حياتي عاكفا على ترجمة الكثير من الروايات من العربية إلى الإنجليزية.
وقد شملت هذه الروايات التي ترجمتها، الكثير من الروايات التي أبدعها نجيب محفوظ، وكانت ترجمتي لها مسؤولية بصورة جزئية عن منحه جائزة نوبل للآداب.