ربما كانت آخر كلماته وهو في الطريق إلى المكان الذي تم فيه تنفيذ حكم الإعدام، قال سيد قطب لمرافقه: للأسف الشديد لم ينجحوا في تنفيذ عملية نسف القناطر الخيرية، فكانت هذه هي النهاية!

كان سيد قطب يشير إلى ما حدث قبل القبض عليه في مؤامرة 65، حين أبلغه بعض أعوانه أن بعض أعضاء التنظيم قد تم القبض عليهم، وأدرك أن المؤامرة تم كشفها، فكانت تعليماته على الفور هي التحرك بسرعة لتنفيذ مخطط كان معداً سلفاً لنسف القناطر الخيرية وبعض المنشآت الحيوية، لتغرق أراضي الدلتا وتسود حالة من الفوضى تتيح لأعضاء التنظيم النجاة. وقد فشل المخطط، وتم القبض على أعضاء التنظيم ومحاكمتهم، وصدرت أحكام كان من بينها الحكم بإعدام سيد قطب نفسه.

المهم أن رجلاً بقدرة سيد قطب على التفكير، وبما اشتهر به من تحولات فكرية من النقيض إلى النقيض، قد توقف تفكيره في النهاية عند تكفير العالم. وحتى بعد القبض عليه ومحاكمته، لم يشعر بالندم على طريق العنف الذي فتحه باسم الدين، وسارت فيه بعد ذلك أجيال من الجماعات الإرهابية. لم يراجع الرجل أفكاره، ولم يحاول تبين الخطأ في ما ذهب إليه. بل كان كل ما تأسف عليه وهو يقترب من النهاية، أن أعوانه لم ينجحوا في نسف القناطر الخيرية.. لعله ينجو وإن غرقت مصر!

بعد ما يقرب من نصف قرن على ذلك، يبدو "الإخوان" وكأنهم يديرون معاركهم بنفس العقلية. وصل "الإخوان" لحكم مصر بصورة لم يتوقعوها، وبعد ثورة كانوا آخر من التحق بها وأول من غادرها.

وبدعم من الإدارة الأميركية لم يكن أحد يتصور مداه! وخلال عام كان الأسوأ في تاريخ مصر الحديث، ارتكبوا كل الأخطاء، وخاصموا كل الفصائل السياسية، واصطدموا بكل مؤسسات الدولة.. حتى جاءت النهاية بخروج الملايين في 30 يونيو، لتسقط حكماً كان قد سقط بالفعل وإن كان ينتظر صدور شهادة الوفاة.

سقط حكم "الإخوان" بإرادة شعبية كاسحة، انحازت لها كل أجهزة الدولة بما فيها الجيش والشرطة. وبدلاً من الخضوع لإرادة الشعب، والتوقف لدراسة الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها الجماعة، ومحاسبة القيادة التي أضاعت الفرصة التاريخية التي أتيحت للجماعة، والاستعداد للعودة للانخراط في الحياة السياسية بعد إصلاح جذري يفصل بين الدعوة والعمل السياسي، ويبعد المتطرفين ودعاة العنف..

بدلاً من ذلك لجأ "الإخوان" إلى إنكار الواقع والاستسلام للأوهام، والسير في طريق الانتحار. فالملايين التي خرجت تسقطهم في 30 يونيو هي مجرد "فوتو شوب"، والثورة التي اجتاحت مصر كلها هي انقلاب، وهم عائدون للحكم حتى لو رفضهم الشعب ونبذتهم مؤسسات الدولة..

لأن أميركا تريد ذلك، وهي وحلفاؤها قد استثمروا في "الجماعة" كثيراً، وليس معقولاً أن يخسروا كل ما استثمروه ويقبلوا الهزيمة بكل توابعها، وأولها استعادة مصر لدورها ولقرارها المستقل، بكل ما يعنيه ذلك من آثار على المنطقة كلها.

ووفقاً لنصائح أميركا وتعليمات التنظيم الدولي، كان الاعتصام في منطقتي "رابعة" و"النهضة" ومحاولات التمدد خارجها، واستدعاء الصدام مع الدولة بأي شكل، ظناً أن ذلك سوف يفتح المجال أمام التدخل الأجنبي الذي أصبحت الدعوة له شيئاً معتاداً من القيادات الإخوانية، دون أن تدري أنها بذلك تفتح جرحاً قديما في جسد الوطن، وتقترف جرماً لا يمكن أن يتسامح فيه مصري يعرف أن تاريخه كله يرتبط بالاستقلال والسيادة الوطنية.

ومنذ 30 يونيو، وعلى مدى شهر ونصف، لم تتوقف السلطة الجديدة عن المحاولة لعبور الأزمة. أعلنت - في خريطة العمل للفترة الانتقالية - أنها لا تريد إقصاء أحد، وحاولت جاهدة الوصول لحل يحفظ لجماعة "الإخوان" مكانها ضمن الجماعة الوطنية، وفتحت الباب لوساطات عربية وأجنبية، قوبل بعضها بالرفض الشعبي حين ارتبط بممارسة الضغوط على الحكم في مصر، ومع ذلك كله كان موقف "الإخوان" هو الرفض.

وكان السبب للأسف الشديد - هو الرهان على موقف أميركا وأتباعها الذين يريدون استنزاف قدرات مصر، ويراهنون على ورقة الإرهاب في سيناء من جانب، واعتصامات الإخوان من جانب آخر، آملين أن يجدوا ثغرة للتدخل الأجنبي أو التهديد به.

يوم الأربعاء الماضي تحركت الدولة وتم فض اعتصامي الإخوان، وكانت المفاجأة أن الأمر تم بسهولة وبأقل خسائر ممكنة.. ومرة أخرى وجد "الإخوان" أنفسهم أمام موقف صعب.

وبدلاً من السعي لاحتواء الموقف وتقليل الخسائر، كان القرار الكارثي الذي يذكرك بأن قيادة الجماعة التي قادتها إلى هذه النهاية المؤسفة، هي امتداد لسيد قطب، وأن نهجها هو نهجه في تكفير المجتمع وتدمير الدولة. وهكذا انطلق "الإخوان" في أرجاء مصر، وكأنهم ينفذون خطة تنظيم 1965 التي كانت تتضمن بالإضافة إلى الاغتيالات - تفجير المنشآت والمرافق، ونسف القناطر وإحراق مصر.

ما فعله الإخوان هذه المرة يزيل كل الأقنعة التي ارتدتها الجماعة بعد ثورة يناير، والتي جعلت الشعب يقبل بوصولها للحكم رغم كل جرائمها القديمة.. ما ثبت منها مثل اغتيال النقراشي وغيره قبل ثورة يوليو، ومحاولات اغتيال عبد الناصر بعد ذلك، وما كان يحتاج لدلائل لينتقل من دائرة الشبهات إلى دائرة الحقائق.. بدءاً من حريق القاهرة منتصف القرن الماضي، وحتى الأحداث التي رافقت ثورة يناير وما بعدها وكانت معلقة في رقبة طرف ثالث مجهول!

كان المخطط هذه المرة فظاً في خروجه على كل معاني الوطنية، وفي اعتماده على أطراف أجنبية لا تريد لمصر الاستقرار أو التقدم. في وقت واحد، كان الهجوم على أقسام الشرطة والسجون والمستشفيات والمؤسسات العامة، وكان إشعال الحرائق في كل أنحاء البلاد، وكانت محاولات استدعاء الجيش بأي طريقة.

وكانت أيضا محاولات استدعاء الفتنة الطائفية بإحراق الكنائس ومحاولة إحراق المساجد.. ووسط هذا كله كان "الكورس" الخارجي يتجاهل كل جرائم الإخوان، ويتحدث عن "مذابح" لم تحدث! ستمر مصر بظروف صعبة، لكنها ستجتازها بعون الله، وبوحدة شعبها، وبصمود جيشها في وجه المؤامرة التي أصبح "الإخوان" طرفاً فيها، والتي يكتبون بها نهايتهم كأسوأ ما يكون. أما الأطراف الدولية والإقليمية فتعرف أن شعب مصر لن ينسي أبداً من كان معه، ومن تآمر عليه في هذه الأوقاف الصعبة..